محمد ناصري
يَعرف كل بيت بجهة درعة تافيلالت، وفي المغرب العميق عموماً، حجم الرهق والقلق الإرثي الذي يرافق امتحانات البكالوريا كل سنة. بين كابوس “التسريبات” وضغط “مباريات الولوج” للمدارس العليا، تظل طُرق التقييم الكلاسيكية عاجزة عن إنصاف ذكاء التلميذ المغربي وطاقته الحقيقية. من هنا، يفرض السؤال نفسه: هل حان الوقت لنفكر خارج الصندوق ونحدث ثورة رقمية شاملة في منظومة البكالوريا؟الرهان الحقيقي اليوم يتجلى في الانتقال نحو “أنسنة الرقمنة” وتخصيص امتحان مستقل وموجه لكل تلميذ بناءً على قدراته الخاصة. يمكن تحقيق ذلك عبر منصة رقمية (Plateforme) وطنية عالية التشفير، يتم تفعيلها حصرياً وقت الاختبار وعزلها كلياً عن شبكة الإنترنت لمنع أي اختراق أو تسريب. هذه المنظومة تستمد أسئلتها من بنك معلومات (Database) يضم آلاف التمارين المتجددة باستمرار عبر الذكاء الاصطناعي، مما يجعل معرفة الامتحان مسبقاً أمراً مستحيلاً لأي كان.في قاعات مجهزة بتقنيات التشويش على إشارات الهاتف (GSM)، يواجه التلميذ حاسوبه لا ورقة بيضاء جامدة. هنا يتدخل الذكاء الاصطناعي ليدبر الامتحان بمرونة عالية؛ فكلما أجاب التلميذ بنجاح، تمنحه الخوارزميات تمارين متصاعدة الصعوبة والدقة. هذا “السلم المفتوح” سيقطع الطريق تماماً مع نظام “الحفظ والشحن” ويقيس بدقة جدارة التلميذ وذكاءه التفاعلي.الأهم من ذلك، هو إعادة النظر في “السقف الزمني الموحد”. نقترح أن يختبر عامة التلاميذ في الساعات الأولى مستوى اعتيادياً (Niveau Standard)، ومن تم يتاح الوقت مفتوحاً للراغبين في الترشح للمعاهد ذات الاستقطاب المحدود ليدمروا التمارين الواحدة تلو الأخرى، كأنهم يخوضون تحدياً في ألعابهم الرقمية المفضلة. بفضل هذه المصفوفة الرياضية (Matrice) الذكية، سنتخلص نهائياً من عبء وضغط مباريات المعاهد العليا بعد البكالوريا، ونكتشف أبطالاً حقيقيين يملكون طاقة خارقة على الصبر والتحدي.هذا المقترح يثمن قيمة إنسانية كبرى نسيها التعليم الحديث، وهي قيمة الصمود والتحمل (Endurance). إن التلميذ الصبور الشديد الشكيمة الذي يقضي 7 ساعات أمام الشاشة يحلل ويفكر دون ملل، لا يقل قيمة عن التلميذ العبقري “السريع”. كلاهما درر ثمينة تحتاجها تنمية بلدنا ومناطقنا الواحية.سيصبح وقت البكالوريا في هذا النموذج مخصصاً (Personnalisé)؛ فبينما ينهي التلميذ المتوسط اختباراته في ثلاثة أيام، قد يستغرق التلميذ ذو القدرات العالية أسبوعاً أو أكثر، مع نيل فترات راحة مبرمجة تقديراً لجهده وعطائه.إنها تأملات نضعها على طاولة النقاش العميق عبر منبر “تنغير أنفو”، لعلها تفتح باب الاجتهاد بين خبراء التربية والمعلوميات بالمغرب. نظام كهذا كفيل بأن يعيد للبكالوريا هيبتها ومصداقيتها، والأهم من ذلك، أن يغرس في نفوس أجيالنا الصاعدة شيمة الصبر.. وهي أعلى صفات النجاح والقيادة.





















