التبرع ب ” أفطان” الأضحية … عادةٌ أمازيغية تحفظ روح التضامن في قرى المغرب

هيئة التحريرمنذ 16 ثانية
التبرع ب ” أفطان” الأضحية … عادةٌ أمازيغية تحفظ روح التضامن في قرى المغرب

خالد حالمي

في عمق القرى المغربية، وبين الواحات الممتدة وسكون الجبال، لا يُختزل عيد الأضحى في شعيرة دينية فقط، بل يتحول إلى لحظة اجتماعية كبرى تُعيد ترميم الروابط الإنسانية داخل القبيلة والدوار. ومن بين أكثر العادات دلالةً على هذا التماسك الجماعي، تبرز عادة التبرع بـ“أفطان” الأضحية، أي جلدها، لفائدة أعمال الخير والمصلحة العامة. إنها ممارسة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها قوةً اجتماعية وثقافية كبيرة، لأنها تعكس قدرة المجتمع القروي المغربي على تحويل الطقس الديني إلى مؤسسة للتضامن والتنمية المحلية.

بعد الانتهاء من ذبح الأضاحي، تبدأ حركة جماعية مألوفة في كثير من القرى الأمازيغية المغربية. يخرج الأطفال والشباب حاملين “أفطان” الأضاحي نحو المسجد أو ساحة الدوار، حيث تُجمع الجلود في مشهد يختلط فيه الحس الديني بروح الجماعة. هذا المشهد لا يمثل فقط عملية تنظيمية لجمع الجلود، بل يكشف عن بنية اجتماعية متماسكة تجعل من المشاركة الجماعية قيمةً يومية تُمارس بشكل تلقائي.

في علم الاجتماع، تُعتبر مثل هذه العادات شكلًا من أشكال “الرأسمال الاجتماعي”، أي ذلك المخزون غير المادي من الثقة والتعاون والعلاقات الإنسانية التي تسمح للمجتمع بالتماسك والاستمرار. فحين يتبرع الجميع بشيء يملكونه لصالح الجماعة، فإنهم يُعيدون إنتاج قيم التضامن والتكافل بصورة عملية، لا كشعارات نظرية. وهنا تتحول الأضحية من فعل فردي داخل البيت إلى فعل جماعي يخدم القرية بأكملها.

الأكثر عمقًا في هذه العادة هو الدور التربوي الذي تلعبه داخل المجتمع القروي. فالأطفال الذين يرافقون الكبار في جمع “أفطان” الأضاحي لا يشاركون فقط في نشاط موسمي، بل يتعلمون منذ الصغر معنى الانتماء للجماعة. إنهم يكتشفون أن للعيد بعدًا اجتماعيًا، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يستهلكه وحده، بل بما يقدمه للآخرين أيضًا. أما الشباب، فإن مشاركتهم في التنظيم والجمع والنقل تُرسخ لديهم ثقافة التطوع والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية.

بعد بيع “أفطان” الأضاحي للتجار الذين ينقلونها إلى المدن الكبرى حيث تدخل في الصناعات الجلدية، تبدأ مرحلة أخرى أكثر أهمية، وهي توظيف عائداتها في أعمال الخير داخل القبيلة. فقد تُستخدم هذه الأموال في تغطية تكاليف الوفاة والعزاء للأسر الفقيرة، أو في إصلاح الطرق والمسالك داخل الواحات، أو ترميم المسجد، أو دعم المحتاجين والمرضى. وبهذا المعنى، تتحول الجلود إلى أداة لإعادة توزيع المنفعة داخل المجتمع المحلي، حيث يستفيد الجميع من مساهمة الجميع.

غير أن هذه العادة الاجتماعية العريقة بدأت في السنوات الأخيرة تتراجع بشكل مقلق ومؤلم. فمع التحولات الاقتصادية وتراجع الاهتمام المحلي بالصناعة الجلدية التقليدية، واتجاه الأسواق نحو المنتجات الأجنبية الجاهزة، فقدت “أفطان” الأضحية جزءًا كبيرًا من قيمتها الاقتصادية. هذا التحول لم يكن اقتصاديًا فقط، بل كانت له آثار اجتماعية وثقافية عميقة على القرى المغربية.

لقد أدى تراجع الطلب على الجلود إلى اختفاء ذلك المشهد الجماعي الذي كان يجمع الأطفال والشباب حول المسجد يوم العيد. وبدل أن تتحول “أفطان” الأضاحي إلى مصدرٍ للتكافل والعمل الخيري، أصبحت في كثير من المناطق تُلقى في حاويات النفايات، في مشهد يعكس تحولات مؤلمة في علاقة المجتمع بقيمه الجماعية وتراثه المحلي.

وفي منظور علم الاجتماع، فإن اختفاء مثل هذه الطقوس الجماعية لا يعني فقط نهاية عادة موسمية، بل يُشير إلى تراجع أشكال التضامن التقليدي التي كانت تمنح المجتمع القروي تماسكه الداخلي. فالقرى التي كانت تنتج روابطها الاجتماعية من خلال التعاون والعمل الجماعي، بدأت تتحول تدريجيًا إلى فضاءات تشبه المدن شكليًا فقط؛ عمران يتوسع، لكن الروابط الإنسانية تضيق، ومظاهر الحداثة تحضر، بينما تتراجع روح الجماعة شيئًا فشيئًا.

إن رمي “أفطان” الأضحية في القمامة ليس مجرد سلوك عابر، بل رمز لتحول ثقافي أعمق؛ تحول من ثقافة إعادة توظيف الموارد لخدمة الجماعة، إلى ثقافة الاستهلاك السريع وفقدان المعنى الاجتماعي للأشياء. وهنا تبدو المفارقة مؤلمة: ما كان يومًا مصدرًا لبناء الطرق ومساعدة الفقراء وتغطية تكاليف العزاء، أصبح اليوم يُعامل كفضلات بلا قيمة.

ومع ذلك، تبقى هذه العادة الأمازيغية القروية جزءًا من الذاكرة الجماعية المغربية، وواحدة من أجمل صور التضامن الشعبي التي عرفتها القرى والواحات. إنها تذكير بأن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بما تملكه من بنايات وطرقات، بل بما تحفظه من قيم التعاون والعطاء والانتماء.

إن استعادة روح “أفطان” الأضحية ليست مجرد دفاع عن عادة قديمة، بل دفاع عن نموذج اجتماعي كامل كان يجعل من العيد فرصة لبناء الإنسان وتقوية الروابط بين الناس.

ففي زمن تتسارع فيه الفردانية، يبقى المجتمع محتاجًا أكثر من أي وقت مضى إلى تلك الطقوس البسيطة التي كانت تُعلم الأطفال معنى المشاركة، وتُشعر الفقراء بأنهم جزء من جماعة لا تنساهم، وتمنح القرية روحها الحقيقية التي لا تُشترى ولا تُستورد.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة