زوارق الفيزازي …. من يحاول مصادرة إنسانية المغاربة؟

هيئة التحرير21 مايو 2026
زوارق الفيزازي …. من يحاول مصادرة إنسانية المغاربة؟

خالد حالمي

في كل مرة تشتعل فيها فلسطين تحت القصف، ويخرج المغاربة إلى الشوارع أو يرفعون أصواتهم تضامناً مع المدنيين الفلسطينيين، ينبعث من جديد ذلك الخطاب المكرر الذي يحاول تقديم التضامن الإنساني وكأنه خطأ وطني، أو “غسيل دماغ جماعي”، أو انحراف عن “الأولويات الحقيقية” للمغاربة.

يعود الشعار نفسه: “تازة قبل غزة”.
وكأن المغاربة مطالبون بالاختيار بين إنسانيتهم ووطنهم.
وكأن الدفاع عن فلسطين يعني بالضرورة التخلي عن قضايا المغرب الاجتماعية والتنموية.

لكن الحقيقة أبسط وأعمق من هذا الابتزاز العاطفي والسياسي: المغاربة الذين يدافعون عن فلسطين هم أنفسهم، في الغالب، من يدافعون عن الحق في الصحة والتعليم والكرامة والعدالة المجالية داخل المغرب. وهم أنفسهم الذين يرفعون أصواتهم ضد التهميش والفقر والهشاشة وغياب التنمية في القرى والجبال والمناطق المنسية.

أما الذين لا يتذكرون “تازة” إلا عندما يتعلق الأمر بفلسطين، فهؤلاء لا يدافعون عن تازة، بل يستعملونها كشعار ظرفي لإسكات أي صوت متضامن مع الفلسطينيين.

لا أحد يرفض أن تكون قضايا المغرب أولوية للمغاربة. فهذا أمر طبيعي ومنطقي. لكن ما يثير الاستغراب هو تحويل هذه الأولوية إلى أداة لمنع الناس من التعبير عن تضامنهم الإنساني. فمنذ متى أصبحت الإنسانية تهمة؟ ومنذ متى صار التعاطف مع الضحايا دليلاً على “غسيل الدماغ”؟

ثم ماذا قدم أصحاب هذا الخطاب فعلياً لتازة، أو لقرى الأطلس، أو للمغرب العميق؟
أين كانت أصواتهم عندما تعلق الأمر بغياب المستشفيات، أو بانقطاع الطرق، أو بمآسي التمدرس، أو بالهجرة القسرية من القرى المهمشة؟
ولماذا يتحول فجأة الحديث عن التنمية المحلية إلى أولوية فقط عندما ترتفع أصوات التضامن مع فلسطين؟

المشكلة في هذا الخطاب أنه لا يسعى إلى الدفاع عن المغرب بقدر ما يسعى إلى خلق تعارض وهمي بين القضية الوطنية والقضية الفلسطينية. والحال أن الدفاع عن العدالة لا يتجزأ. فالذي يرفض قتل المدنيين في غزة، يمكنه في الوقت نفسه أن يرفض التهميش في تازة، وأن يطالب بمستشفى في الجبل، وطريق في القرية، ومدرسة في العالم القروي.

بل إن الوعي الإنساني السليم لا يقوم على المقايضة بين المآسي، ولا على ترتيب الضحايا وفق الجغرافيا.

الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب لم يعد مجرد رأي عابر، بل أصبح جزءاً من حملات رقمية منظمة تحاول ترسيخ فكرة أن التضامن مع فلسطين يتناقض مع الوطنية. وهي حملات تستفيد من الجيوش الإلكترونية والدعاية الرقمية التي تشتغل على تفكيك أي تعاطف شعبي مع القضية الفلسطينية، وتحويل الضحية إلى عبء أخلاقي وسياسي.

وللأسف، يردد البعض هذه الخطابات دون إدراك أنهم يتحولون إلى مجرد صدى لآلة دعائية أكبر منهم.

أما حين يصل الأمر إلى مهاجمة الأطباء المغاربة الذين تطوعوا إنسانياً لفائدة الفلسطينيين، واتهامهم بالتقصير تجاه القرى والمناطق النائية، فإننا نكون أمام قمة التبسيط والشعبوية. فالأزمة الصحية في المغرب ليست نتيجة “خيانة الأطباء”، بل نتيجة اختلالات بنيوية تتحمل مسؤوليتها السياسات العمومية وضعف البنيات الصحية وغياب التحفيزات وظروف العمل الصعبة.

لا يمكن مطالبة الطبيب بالتحول إلى بطل فردي في مواجهة هشاشة المنظومة، ثم إعفاء الدولة من مسؤولياتها في توفير المستشفيات والتجهيزات والموارد البشرية.

والمفارقة أن بعض الذين يهاجمون الأطباء بسبب فلسطين، هم أنفسهم أول من غادر القرى والمناطق النائية نحو المدن، ولم يتذكروا “المغرب العميق” إلا في سياق مهاجمة التضامن الإنساني.

أما بعض الأصوات التي توظف الدين للسخرية من المتضامنين مع فلسطين، أو لتقديم خطاب مبتذل ومنحط حول المبادرات الإنسانية، فهي تكشف حجم الانحدار الذي يمكن أن يصل إليه توظيف الدين في خدمة الاصطفافات السياسية والإعلامية. فحين يصبح الحديث عن المآسي الإنسانية مناسبة لإثارة الغرائز أو تشويه المتضامنين، فإن المشكلة لا تكون في فلسطين، بل في طبيعة الخطاب نفسه.

في النهاية، لا يحتاج المغربي إلى إذن من أحد حتى يتضامن مع فلسطين، كما لا يحتاج إلى شهادة وطنية حتى يدافع عن قضايا بلده. فالوطنية الحقيقية لا تعني قتل الضمير، والإنسانية لا تعني خيانة الوطن.

بين تازة وغزة لا توجد معركة.
المعركة الحقيقية هي بين من يرى الإنسان بعين الكرامة، ومن يريد تحويل المآسي إلى مزاد سياسي وإعلامي.

ولهذا ستبقى فلسطين، بالنسبة لكثير من المغاربة، ليست فقط قضية سياسية، بل مرآة أخلاقية تقيس ما تبقى في هذا العالم من ضمير.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة