النخب السياسية بين أزمة الثقة وضرورة التغيير

هيئة التحريرمنذ 17 ثانية
النخب السياسية بين أزمة الثقة وضرورة التغيير

العدناني طنطاوي

لم يعد خافيًا على أحد أن جزءًا واسعًا من المواطنين أصبح ينظر إلى أداء النخب السياسية بكثير من القلق والخيبة. فبعد سنوات طويلة من الوعود والشعارات، ما تزال فئات كبيرة من المجتمع تعاني من البطالة والهشاشة وضعف الخدمات الأساسية، بينما تستمر بعض الوجوه نفسها في احتلال المشهد السياسي دون أن تقدم حلولًا حقيقية تلامس هموم الناس اليومية.

إن أخطر ما تعاني منه الحياة السياسية اليوم ليس فقط ضعف الإنجاز، بل اتساع الفجوة بين المواطن والسياسي. فقد أصبحت الثقة في المؤسسات التمثيلية تتراجع بشكل ملحوظ، لأن المواطن لم يعد يقتنع بخطابات موسمية تظهر فقط خلال الحملات الانتخابية ثم تختفي بعد الوصول إلى المناصب. وهذا ما خلق شعورًا عامًا بأن السياسة تحولت لدى البعض إلى وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية بدل خدمة الصالح العام.
كما أن غياب التداول الحقيقي على المسؤوليات ساهم في تكريس نوع من الجمود السياسي، حيث ظلت بعض النخب متمسكة بالمواقع نفسها لسنوات طويلة، وكأن الوطن عاجز عن إنجاب كفاءات جديدة قادرة على تقديم أفكار وحلول أكثر جرأة وواقعية. فالديمقراطية الحقيقية لا تقوم فقط على الانتخابات، بل تقوم أيضًا على تجديد النخب وفتح المجال أمام الطاقات الشابة والكفاءات النظيفة.
ومن جهة أخرى، فإن ضعف التأطير السياسي والثقافي داخل الأحزاب أدى إلى تراجع دورها التربوي والنضالي، فأصبحت في كثير من الأحيان مجرد آلات انتخابية موسمية، بدل أن تكون فضاءات للنقاش وصناعة المشاريع المجتمعية. لذلك لم يعد غريبًا أن يعزف عدد كبير من الشباب عن المشاركة السياسية، لأنهم لا يجدون نموذجًا سياسيًا ملهمًا يعبر عن تطلعاتهم.

ومع ذلك، فإن نقد النخب السياسية لا يعني رفض السياسة أو التقليل من أهمية المؤسسات، بل على العكس، هو دعوة إلى إصلاح عميق يعيد للعمل السياسي معناه النبيل. فالمجتمعات لا تتقدم إلا بنخب مسؤولة تمتلك الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنصات للمواطنين، وتؤمن بأن المسؤولية تكليف لا امتياز.

إن المرحلة الحالية تتطلب تجديدًا حقيقيًا في الفكر والممارسة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعطاء الفرصة للكفاءات الشابة والنساء والطاقات المحلية للمساهمة في بناء مستقبل أكثر عدالة وكرامة. فالأوطان لا تبنى بالشعارات، بل بالإرادة الصادقة والعمل الجاد والقرب الحقيقي من قضايا الناس.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة