احتضن الفضاء الجمعوي مولاي علي الشريف بالرشيدية، يوم السبت 13 مارس، أشغال ندوة تحت عنوان “الإعلام المهني الناجح رافعة للتنمية الجهوية”. اللقاء، الذي أشرف على تنظيمه المنتدى الجهوي لتتبع الشأن العام وتقييم السياسات العمومية بدرعة تافيلالت، عرف نقاشا مستفيضا بمشاركة نخبة من الإعلاميين والباحثين والفاعلين حول سبل النهوض بالقطاع الإعلامي لخدمة قضايا التنمية بالجهة.
وفي مداخلة له خلال أشغال هذه الندوة، أكد حفيظ كرومي، متخصص في التواصل المؤسساتي، أن الحديث عن تنمية جهوية بدرعة تافيلالت يظل صعباً دون وجود إعلام مواكب وقادر على التعريف بالمشاريع وتتبعها، موضحا أن التنمية دون إعلام تبقى محدودة الأثر، بينما الإعلام الجهوي دون ارتباط بقضايا التنمية يتحول إلى مجرد عملية تقنية لنقل الأخبار، و مشدداً على ضرورة تحقيق التكامل بين الفعل التنموي والممارسة الإعلامية الجادة والمسؤولة.
وفي معرض تشخيصه لبنية المشهد الإعلامي بجهة درعة تافيلالت، استعرض الباحث في سلك الدكتوراه، مجموعة من المؤشرات التي تعكس، حسب تعبيره، هشاشة هذا القطاع على المستوى الجهوي. وأشار إلى أن الجهة تتوفر على حوالي 23 منبراً إعلامياً فقط، منها 17 منبراً نشطاً، موزعة على أقاليم الجهة الخمسة، مشيراً إلى أن أغلب هذه المنابر تتركز في إقليمي الرشيدية وورزازات، وأضاف أن هذه المنابر تُدار من طرف ستة مديري نشر فقط وتحتضنها أربع عشرة مقاولة صحفية، معتبراً أن هذا الوضع يكرس نوعاً من التهميش الإعلامي للجهة، و يتضاعف التهميش بين الأقاليم نفسها.
وتوقف كرومي، أيضاً عند مؤشر الصحافيين الحاصلين على البطاقة المهنية، واصفاً إياه بـ”المفارقة الصادمة”، حيث لا يتجاوز عدد الصحافيين المهنيين بالجهة ثلاثين صحافياً فقط، وفق المعطيات المسلمة من المجلس الوطني للصحافة، وبحسب المتدخل، فإن هذا الرقم يعادل تقريباً صحافياً ونصف لكل منبر إعلامي، وهو أدنى معدل على المستوى الوطني، ولا يتناسب مع حجم الجهة التي تضم أكثر من مليون ونصف المليون نسمة وتمتد على مساحة تفوق 88 ألف كيلومتر مربع، تقترب من مساحة دولة بلجيكا ثلاث مرات و من مساحة دولة سويسرا مرتين.
كما أشار المتحدث إلى غياب شبه تام للصحافة الورقية الجهوية، ما يعني – حسب قوله – غياب الذاكرة الصحافية المكتوبة والأجناس الصحفية الكبرى التي يمكن معها تناول مختلف الاحداث الكبرى بالجهة، أما على مستوى الإعلام العمومي، فأبرز أن الجهة لا تتوفر على أي إذاعة جهوية عمومية كباقي كل جهات المملكة، فيما تقتصر تمثيلية القنوات التابعة للقطب العمومي على مكاتب محدودة الإمكانات والأطقم الصحفية، حيث خلص المتدخل إلى أن هذه المؤشرات مجتمعة تعكس وضعية هشاشة مهنية واضحة يعيشها الإعلام الجهوي.
وعلى مستوى تحليل المحتوى، سجل كرومي ملاحظتين أساسيتين. الأولى تتعلق بضعف الإنتاج الصحفي الذاتي داخل عدد من المنابر الجهوية، حيث تطغى المواد المعاد نشرها والبلاغات الرسمية على حساب التحقيقات والمواد التحليلية، مما يحول الصحافة – حسب تعبيره – إلى مجرد ناقل للمعلومة بدل منتج لها.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بغياب التخصص داخل الممارسة الإعلامية بالجهة، حيث يضطر الصحفيون إلى تغطية مجالات متعددة في الوقت نفسه، دون وجود صحافيين متخصصين في مجالات مثل الاقتصاد أو الصحافة الاستقصائية أو تحليل البيانات، وهي مجالات اعتبرها ضرورية لفهم و إفهام قضايا التنمية وتحليل السياسات العمومية.
وفي ما يتعلق بسبل التطوير، شدد الباحث في سلك الدكتوراه، على ضرورة تغيير نظرة الإدارة والمؤسسات المنتخبة إلى الإعلام الجهوي، معتبراً أن التعامل معه كمجرد ناقل للبلاغات الرسمية أو كملحق إداري يحد من دوره الحقيقي، كما دعا المقاولات الإعلامية الجهوية إلى التفكير في الانتقال من مجرد نقل الأخبار إلى إنتاج المضامين الإعلامية وصناعتها، والاستثمار في الوسائط الرقمية الجديدة، مع العمل على بناء نموذج اقتصادي مهني يضمن استقلالية الخط التحريري عن الاعتبارات التجارية أو الحزبية، ومؤكدا أيضاً أهمية التكوين والتكوين المستمر لفائدة الصحافيين بالجهة، بما يتيح تطوير مهاراتهم المهنية ومواكبة التحولات التي يشهدها المجال الإعلامي.
وفي ختام مداخلته، شدد المتحدث على أن الإعلام الجهوي يمكن أن يتحول – اذا ما تمت تقويته وتوفرت الارادة لذلك- إلى أداة للترافع من أجل التنمية الترابية، من خلال تسليط الضوء على تعثر المشاريع أو الفرص الضائعة، وإثارة النقاش العمومي حولها بما يضع صناع القرار أمام مسؤولياتهم.
كما اعتبر كرومي، أن الإعلام قادر على المساهمة في التعريف بالمؤهلات السياحية والاقتصادية والعمرانية لجهة درعة تافيلالت، وتحسين صورتها لدى المستثمرين والسياح، فضلاً عن دوره الرقابي في تتبع المشاريع والسياسات العمومية الجهوية، موجهاً تحية خاصة إلى الإعلاميين المحليين والجهويين، الذين يواصلون عملهم في ظروف صعبة وبإمكانات محدودة، مؤكداً أن تقوية الإعلام الجهوي يظل شرطاً أساسياً لمواكبة التنمية وتعزيز النقاش العمومي داخل الجهة.
جدير بالذكر، أن المنتدى الجهوي لتتبع الشأن العام وتقييم السياسات العمومية بدرعة تافيلالت، هو جمعية مدنية، تأسست بحر سنة 2022 بمدينة الرشيدية، والذي يضطلع بمهام الترافع وبذل كل الجهود من أجل ايصال صوت وتطلعات وآمال أبناء الجهة إلى كل من يهمه الامر، انطلاقا من واجبه في تتبع القضايا الجهوية والمحلية وتقييم السياسات العمومية واستنادا للقوانين التنظيمية خاصة الفصل 12 من دستور المملكة المغربية.





















