ما وراء “ثورة الفيسبوك” – حين كان الواقع هو ساحة الحسم
رغم الحضور القوي لوسائل التواصل الاجتماعي في تلك المرحلة، فإن اختزال حركة 20 فبراير في كونها “حراكاً رقمياً” يُعد قراءة سطحية. فقد كانت المنصات الرقمية أدوات للتنسيق والإعلان، لا بديلاً عن الفعل الميداني. القرار الحقيقي كان يُصاغ في الاجتماعات الحضورية، حيث النقاش المباشر، وتبادل الحجج، وبناء الحد الأدنى من التوافق. هناك، في القاعات الصغيرة والمدن التي وُصفت طويلاً بالهامش، تشكّل المعنى الحقيقي للحركة.
كسر حاجز الخوف… التحول الأعمق
أهم ما حققته حركة 20 فبراير لم يكن شعاراً بعينه، بل لحظة نفسية جماعية: كسر هاجس الخوف. خروج آلاف المواطنين، وفي مقدمتهم الشباب، إلى الشارع للتعبير السلمي عن مطالبهم، أعاد تعريف العلاقة بين المواطن والسياسة. أصبح الاحتجاج السلمي ممارسة مشروعة في الوعي العام، وأضحى النقاش السياسي جزءاً من الحياة اليومية، لا همساً في الزوايا المغلقة.
من الشارع إلى الدستور – الإصلاح كتراكم زمني
أفرزت الحركة دينامية إصلاحية تُوّجت بإقرار دستور جديد، تضمن مقتضيات مهمة مرتبطة بتعزيز أدوار المؤسسات وتوسيع مجال الحقوق والحريات. قد تختلف التقييمات بشأن حجم التفعيل، لكن الثابت أن المغرب اختار مساراً إصلاحياً سلمياً، أثبت أن التغيير لا يكون دائماً عبر القطيعة، بل قد يتحقق عبر التدرج والتراكم. فالإصلاح عملية زمنية ممتدة، تتطلب نفساً طويلاً وإرادة مستمرة.
التحالفات بين الإصلاحي والراديكالي – ضرورة سياسية لا تناقض وجودي
شهدت الحركة تقاطعات بين أطراف ذات مرجعيات مختلفة: يساريون، إسلاميون، مستقلون، وطاقات شبابية جديدة. لم تكن هذه التحالفات اندماجاً أيديولوجياً دائماً، بل تعبيراً عن لحظة تاريخية فرضت التعاون حول مطالب مشتركة. الحياة السياسية بطبيعتها تقوم على التعدد، والتحالفات – سواء كانت إصلاحية أو راديكالية – تُغني النقاش العمومي وتمنع احتكار الصوت الواحد، ما دامت تتحرك ضمن إطار سلمي يخدم الوطن.
الشباب… الذاكرة الحية للتغيير
إذا كانت 20 فبراير محطة سياسية، فهي أيضاً ذاكرة جيل. فقد كانت مدرسة مفتوحة للشباب، تعلّموا فيها معنى التنظيم، وأهمية الاختلاف، وقيمة الفعل الجماعي. أدرك كثيرون أن السياسة ليست حكراً على النخب، بل مسؤولية مشتركة. هذه التجربة، حتى وإن تغيّرت سياقاتها، رسخت وعياً جديداً بأن التغيير يبدأ من الشباب، ويتجدد بهم.
البقاء للوطن
قد تتباين القراءات حول حصيلة حركة 20 فبراير، وقد تختلف التقديرات بشأن ما تحقق وما لم يتحقق، لكن المؤكد أنها شكّلت لحظة مفصلية في الحياة السياسية المغربية. أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأكدت أن الإصلاح ممكن عبر المسار السلمي، وأن الجميع – رغم اختلاف المرجعيات – يعملون من أجل الوطن بطريقتهم.
فالتحالفات قد تتغير، والشعارات قد تتبدل، لكن البقاء دائماً للوطن.





















