“إخورقان”.. حكاية طبق ليلة القدر بتنغير

هيئة التحريرمنذ 16 ثانية
“إخورقان”.. حكاية طبق ليلة القدر بتنغير

على امتداد واد تودغى، ومع اقتراب ليلة القدر، تستيقظ ذاكرة المطبخ التقليدي.

في قرى تنغير، يروي الكبار للصغار اسمًا قديماً ارتبط بالبيوت، محمَّلاً بالحنين إلى زمن جميل. “إخورقان” ليس مجرد طبق رمضاني، بل تقليد متجذر في الذاكرة المحلية، حيث يلتقي الخبز بروحانية الليلة المباركة.

كان صباح ليلة القدر في الماضي يُعرف بعلامة لا تخطئها العين: الدخان المتصاعد من المطابخ التقليدية. كانت النساء يشعلن النار بسعف النخيل وأوراق الزيتون، بينما تنهمك الأيادي في إعداد عجين رقيق يُخبز فوق إناء تقليدي يسمى “بوغروم”، وهو اسم مشتق من كلمة “أغروم” التي تعني الخبز في اللسان الأمازيغي المحلي. في لحظات قليلة تتحول العجينة إلى أوراق خبز شفافة، تكاد تشبه في رقتها ورق البسطيلة.

تتراكم تلك الأوراق بهدوء فوق بعضها، بينما يملأ الدخان المكان وتتحول المطابخ إلى فضاء نابض بالحياة. لم يكن الأمر مجرد إعداد طعام، بل طقس اجتماعي تتقاسمه نساء القرية، تحيطه حكايات الجدات عن ليالٍ مضت. كان الدخان يخنق الأنفاس ويُدمع العيون أحياناً، لكن فرحة إعداد “إخورقان” في ليلة القدر كانت تمحو التعب.

في اللسان المحلي لواد تودغى تُعرف ليلة القدر باسم “گيت ن سلكات”، وهي ليلة لها حضور خاص في الوجدان الشعبي. بعد الإفطار بقليل، وقبل أن تتجه العائلات إلى المساجد لإحياء الليلة المباركة، تتولى أكبر نساء البيت سناً المرحلة الأخيرة من إعداد الطبق. تُقطع أوراق “إخورقان” إلى قطع صغيرة، ثم تُسقى بمرق ساخن مع بعض الخضر المحلية، فيتحول الخبز الرقيق إلى طبق بسيط لكنه غني بالدفء والحميمية.

يحمل “إخورقان” أيضاً دلالات ثقافية تتجاوز المطبخ. فبعض الباحثين في التراث المحلي يرون أن جذور هذا الطبق تعود إلى الموروث اليهودي الذي عرفته المنطقة عبر قرون من التعايش الثقافي، بينما يربط آخرون اسمه بكلمة “أخروق”، وهو لباس الزهاد والمتصوفة، في إشارة رمزية إلى روح الزهد والتقشف المرتبطة بليلة القدر في المخيال الشعبي.

ومع تغير أنماط الحياة، كاد هذا الطبق أن يغيب عن الموائد. تراجعت عادة إعداده في البيوت، وصارت الأمهات يروين قصته للأبناء والأحفاد كحكاية من زمن مختلف. غير أن “إخورقان” لم يختفِ تماماً؛ فقد عاد إلى الأسواق المحلية في السنوات الأخيرة بفضل نساء حوّلن مهارتهن التقليدية إلى مشاريع صغيرة مدرة للدخل، فصار هذا الخبز الرقيق يعبر من ذاكرة البيوت إلى فضاء السوق.

وهكذا يظل “إخورقان” أكثر من وصفة تقليدية؛ إنه جزء من الذاكرة الجماعية لواد تودغى، حيث يلتقي الطعام بالتاريخ، والطقوس الدينية بالحياة اليومية. وفي كل مرة يُحضَّر فيها هذا الطبق في ليلة القدر، يستعيد المكان شيئاً من روحه القديمة… تلك التي تختبئ في رائحة الخبز، وفي حكايات نساء ما زلن يحرسن ذاكرة المطبخ التقليدي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة