أعراس الصيف بين تغليب المظهر وتغييب الجوهر

admin
2022-08-21T19:02:37+01:00
آخر الأخبار
admin21 أغسطس 2022آخر تحديث : الأحد 21 أغسطس 2022 - 7:02 مساءً
أعراس الصيف بين تغليب المظهر وتغييب الجوهر

يستغل أغلب المغاربة فترة الصيف للاحتفاء بأعراسهم تتويجا لعقود الزواج التي تبرم بكثرة قبل وخلال هذا الموسم، بحكم تجمع الأسر والعائلات، تزامنا مع عودة العمال والأجراء إلى مساقط رؤوسهم وأماكن إقامتهم، قادمين من مقرات عملهم داخل الوطن وخارجه لقضاء العطلة الصيفية.


إلا أن اللافت للانتباه هو أن مراسيم وطقوس الأعراس انزاحت كثيرا عن طابع البساطة الذي طالما اتسمت به سابقا، سواء من حيث التكاليف، أو فيما يتعلق بالجانب الشكلي المتعلق بالزفاف وطقوسه وعاداته، إذ أضحى العرس مكلفا للفقراء والميسورين على حد سواء، خاصة بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود أو الفقيرة، بسبب انخراط الجميع في مسلسل لا يخلو من مظاهر التباهي والتقليد والتكلف المبالغ فيه ( ولائم فاخرة، تنافس في إحضار الأجواق والفرق الموسيقية، مبالغة في طقوس وتكاليف التجهيز والزف واللباس…)، ويشكل الإعداد للعرس في بعض المناطق المغربية كابوسا ماديا، يتجاوز الإعداد للوليمة، إلى تجهيز الفضاء وشراء وكراء الآثاث، ودفع مصاريف أطراف عدة نصبت نفسها أركان لا يتزحزح كيانها، وحضورها جوهري لإقامة العرس(غياطة، طبالة، نكافة، دقايقية، فرق موسيقية…)، وهكذا انحرفت تلكم المراسيم كثيرا عن قيم المجتمع الدينية والخلقية، من تواضع واحترام وحشمة ووقار، كما خرجت أيضا عن القواعد القانونية المنصوص عليها في المرجعيات والوثائق الرسمية الوطنية، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر: الإزعاج الناتج عن الصخب الليلي، انتشار ظاهرة السكر العلني، حدوث اشتباكات وارتكاب جرائم في التجمعات المصاحبة لحفلات الأعراس…؛


ويكاد يكون الوازع الديني في ترتيبات الخطوبة والزواج والعرس آخر ما يلتفت إليه، فمن منا يستأنس مثلا بقول الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام: “تُـنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين ترِبَتْ يداك”، أو يستحضر توجيه الرسول الأكرم :”إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”..؟ أليس الهاجس المادي والشكلي هو الفيصل – إلا من رحم ربك – في النظر في الموافقة من عدمها على طلب أو عرض الزواج؟؟؟


وإذا رجعنا إلى ما يسمى “العادات والتقاليد”، فيتأرجح التعامل معها بين الاستسلام المطلق لسلطة العادة، والانفلات من كل ما هو أصيل، ففي الكثير من بوادي الجنوب الشرقي مثلا تكون تكلفة العرس المادية والمعنوية مضاعفة، بسبب طول المدة المخصصة للاحتفالات، والتقيد أحيانا بتفاصيل وطقوس هي إلى الشعوذة أقرب منه إلى الاحتفاء التقليدي البسيط، بل يصل الحد إلى “تعجيز” بعض الأسر أمام سلطة العادة، إذ يتعذر على بعض العائلات بمناطق تقع شرق جهة درعة تافيلالت تزويج فتياتها، بسبب ارتفاع تكلفة تجهيز “المتزوجة”، والتي يلتزم أهلها بجميع آثاث غرفة النوم والمطبخ فضلا عن توفير أفرشة متنوعة أخرى.
وفي المدن تجمع طقوس العرس بين كل ما تمت الإشارة إليه وهواجس أخرى تقل أو تشتد وطأتها حسب المناطق والفئات الاجتماعية والوضع المادي للزوجين وعائلتيهما(الممون، قاعة الحفلات، ليلة العرس…)، وبين هذا وذاك انسخلنا بشكل أو بآخر عن الهوية، في بعديها الديني والخلقي من جهة، والوطني المحلي من جهة ثانية، على أساس أن الزواج شعيرة دينية قبل كل شيء، أو نصف الدين، وبالتالي فمن المطلوب أن يتوافق مع الشرع في تفاصيله وجزئياته،


ولهذا يمكن الإقرار بأن الكثير من المنزلقات التي تقع في الأعراس، بل والمشاكل التي تتخبط فيها مؤسسة الأسرة عموما، ناتجة عن البعد عن تعاليم ديننا الحنيف، الذي شرع الزواج، باعتباره ميثاقا تعاقديا منظما لبناء الأسرة والمجتمع، ووضع له قواعد وشروطا تحيط بكل حيثياته (اختياز الزوج والزوجة، فترة الخطوبة، إقامة الزفاف والوليمة، تنظيم العلاقة بين الزوجين قائمة على الحقوق والواجبات، النفقة، التربية، الولادة الرضاعة، الطلاق، العدة….)، وللأسف الشديد، فاستحضار الكتاب والسنة في غالبية الأعراس لا يتجاوز عتبة مكتب “العدول”، حيث يتم إبرام العقد على سنة الله ورسوله، ليعقبه إحياء ليلة العرس على خطى الشيطان وأعوانه، فلا نعجب إذن إذا طاردت المصائب والأزمات الزوجين منذ الليلة الأولى، والتي غالبا ما يعتدى فيها على الجيران والمرضى والباحثين عن الراحة بعد يوم من الكد والتعب، بسبب منعهم من النوم والاسترخاء، جراء الصخب الناتج عن أصوات الموسيقى ومكبرات الصوت، والذي غالبا ما يبدأ قبل المغرب ويستمر إلى ما بعد الفجر، دون مراعاة لأوقات الصلوات الخمس ولا لمشاعر أصحاب الجنائز والمآثم، فضلا عن انتشار ممارسات غير أخلاقية أضحت ملازمة لحفلات الزفاف كالسكر والاختلاط والتحرش وغير ذلك، ليس في المدن فحسب، بل حتى في القرى النائية أيضا؛


ومن جهة أخرى، فالبعد الوطني – والذي يتغنى به في المحافل – أصبح مغيبا في هذه المناسبات، بفعل التقليد وتغليب المظهر على الجوهر، فلم تعد الأصالة المغربية حاضرة في اللباس والغناء وأصول الضيافة، وغيرها، لتفسح المجال لظواهر أخرى غريبة ومستجدة، من قبيل التصوير، والإشهار والتنافس على مواقع التواصل الاجتماعي على نشر مراسيم الزفاف وكواليسه.


بيد أن التخطيط لمشروع الزواج وما بعده لا يكاد يحظى ببصيص من تلك الهالة التي يحاط بها العرس وتفاصيله، ولهذا ليس من الغريب أن تكون نسب الطلاق – حسب الإحصائيات الرسمية- مهولة، فضلا عن غزارة قضايا الخلافات الزوجية المثارة أمام المحاكم…
تلكم مظاهر من شتى تطبع مشهدنا الاحتفالي بالأعراس، وتعكس سيطرة المظاهر والشكليات والماديات على العقليات والاحتفالات، فما أحوجنا للتصالح مع ذواتنا وهويتنا وأخلاقنا وقيمنا وتاريخ أجدادنا، والانسلاخ ولو نسبيا عن هذه التبعية المطلقة والارتماء بين أحضان العولمة العمياء، أو على الأقل تحكيم سلطتي العقل والواقع في التعاطي مع الأفراح في زمن الأزمات والأتراح.

عن ل.إ.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.