العلماء بين إكرهات الموقع و واجب الموقف الشرعي

admin
2022-04-22T03:04:14+01:00
آخر الأخباراقلام حرة
admin22 أبريل 2022آخر تحديث : الجمعة 22 أبريل 2022 - 3:04 صباحًا
العلماء بين إكرهات الموقع و واجب الموقف الشرعي
*حميد دحسو


لاشك أن العلماء هم رأس صلاح كل أمر من أمور الناس إلى جانب الحكام؛ فصلاح المجتمع يكون بصلاح بنية السلطة العلمية الروحية والسلطة السياسية مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال :”صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء”. ولاشك أيضا أن الفساد بدأ مبكر بفساد نظام الحكم ففسد الحكام منذ لحظة الانقلاب الاموي على السلطة الشرعية للامام علي وسيدنا الحسن علي عليهما السلام. فانفصلت السلطتين وتقاتلتا بعدهما فتخاصم السيف والقلم. فدار أناس مع السلطان وآخرون مع القرآن. ومع تغول السلطة السياسية وبحثها عن مشروعية مستديمة حاول الحكام دوما؛ ترغيبا وترهيبا؛ استتباع العلماء لركابهم. فظهر أسوء زواج في تاريخ الامة بظهور ديدان القراء وعلماء السلطان ووعاظ السلاطين الذين يشرعنون للحاكم الظالم الفاسد ظلمه وتغوله باسم ” طاعة أولى الامر” اللامشروطة و بدعوى درء الفتنة بلي عنق النصوص القرآنية والحديثية لتتوافق مع هوى الحاكم من خلال بترها من سياقها واجتزائها من قواعدها الكلية الناظمة لها حتى ظهرت الاداب السلطانية وكأنها شرع من الشرع بعد أن تغنى بها علماء السلطان على المنابر وظهر في الامة وفشى فيها ” دين الانقياد” الذي هو ” داؤنا العميق”.
لكن دوما بقي ثلة من العلماء تدور مع القرآن مع ما لقيت من أذى بسبب استقلالية الموقف باستقلال الموقع فكانوا في حضن الامة والمجتمع يذبون عن حياض القرآن والسنة النبوية والدفاع عن حقوق الامة والتحريض ضد فساد الحكام. وقد حفظ لنا التاريخ أسماءهم ومشاهد من صمودهم فحفظ الله بهم هذا الدين.
وفي العصر الحديث تقوت المؤسسات الدينية الرسمية وصار الدين جزء من بنية بعض الانظمة؛ حيث أدركت أهمية التوظيف السياسي للدين حتى تضمن ولاء الناس فدخل الكثير من العلماء داخل هذه المؤسسات خصوصا مع القمع المتزايد لكل صوت خارج إطارها وحرمانه من مواقع التأثير مع تغول الدول وامساكها بتلابيب المجتمع حيث مارست الرقابة على الاعلام والمساجد فصار الواعظ موظفا أجيرا عند الدولة والقاعدة تقول :” من لايأكل من فأسه لاينطق من رأسه”
مع كل هذا عم سخط الشباب من هذا التوظيف السياسوي للدين وعفوا الدين الرسمي المركون إلى زاوية ضيقة هي زاوية ” الاحوال الشخصية” وأحكام الحيض والنفاس. فظهرت الحركة الإسلامية المعاصرة التي قدمت فهما شموليا للدين يجمع ما تفرق؛ أي الجمع بين الدين والسياسة ؛ بين الهوية والتدبير ؛ بين الدعوة والدولة… كما كان الامر على العهد الاول للاسلام زمن النبوة والخلافة الراشدة.
استطاعت الحركة الإسلامية أن تؤطر وتستقطب آلالاف الشباب وتحتضنهم في تدينهم وخاضوا معارك إيديولوجية ضد التيارات الاخرى القومية العلمانية اليسارية منها والليبرالية في الجامعات والنوادي.. فكسب الحركة الإسلامية معركة الهوية بشكل كبير وعاد” للاسلام المعارض” او ” الاحتجاجي” صوته وموقع في بنية المجتمع.
مع دخول الكثير من الحركات الاسلامية تجربة الحكم أو الحكومة سواء قبل الربيع العربي أو بعده؛ ومع تضخم الخطاب السياسي لدى أغلب الحركات الاسلامية وفشل تجربة الحكم وإفشالها في عدم قدرتها على الجواب على سؤال الدولة؛ في سياق دولي يرفض حكم الإسلاميين ويناؤهم ويقصيهم. كثير من الشباب تذمر من هذه التجربة؛ خصوصا مع التحولات الاعلامية العولمية وظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي زادت من منسوب الفردانية وفي نفس الوقت زادت من حدة سؤال الهوية مع تزايد التيارات اللادينية في هذه الاوساط. خصوصا مع ما تعرفه الحركة الإسلامية من ضعف في الانتاج العلمي والخطاب الوعظي الجذاب.
في هذا السياق ظهر ما اصطلح عليه ” الدعاة الجدد”دعاة شباب بهندام أنيق وربما حليقي اللحية يتكلمون عن فن الحياة ووسطية الدين واعتداله وأن الاسلام قادر على حل مشكلات الفرد النفسية والاجتماعية والهوياتية؛ خطاب يدعو للتصالح مع الواقع والتفاعل معه بإيجابية. لكن اغلب رواد هذا الاتجاه ” التسويقي” للاسلام انكشف مع ما حدث في الربيع العربي حيث منهم شكل طابورا خامسا للانقلابات ومنهم من تخلف عن تقديم موقف شرعي في زمن حاسم من تاريخ الامة ومنطقة ” الشرق الاوسط”. بل غلى منهم اتجاه فصار لدينا “دعاة الطوندونس” يرجون” لاسلام لايت” لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.

” إسلام السوق” هذا دخل في زمن مع الربيع العربي وتارة أخرى وجد الشباب الثائر نفسه مع فراغ لم تعد الحركة الإسلامية قادرة على ملئه؛ فظهر جيل جديد من الدعاة حاولوا اختراق بنية الدولة والاستفادة من الموقع الذي توفره لهم؛ فهم لايريدون صداما مع الدولة وفي نفس قاموا بفك الارتباط مع الخطاب السياسي وخطاب الحركة الإسلامية. فحاول ا ترشيد الشباب ضد التحديات الجديدة؛ اشكالية الهوية الدينية في واقع مفتوح ومتناقض ومضاد للالتزام الديني. فحاول هؤلاء الوعاظ تقديم خطاب وقائي ضد هذه الامراض المجتمعية والايديولوجية وفي نفس الوقت علاجي مع مسار من التدحرج.
التفت حولهم الالاف الشباب من خلال قنوات خاصة على وسائط التواصل الاجتماعي. لكن الخطورة ان هؤلاء الوعاظ وقعوا تحت قبضة الجماهير الذي ينتظر منهم دوما الجديد و التجويد المستمر ” للعرض” الدعوي.. فاصبحنا مع ” موضة” دعوية مع كل داعية جديد يقدم بضاعته للعطشى من الشباب بعد أن افرغت المساجد والاسر من وظائفهما في حفظ الفطرة وتثبيت الهوية.

هؤلاء العلماء/الوعاظ هم بين قبضتين : قبضة الحكام وقبضة العوام. ويتحركون في واقع ملغوم. إلى حد الساعة الافق مضبب أمام حل هذه المعضلة. فبضة العوام لها سلبياتها في انتاج خطاب وعضي تبسيطي مبني على الاساطير والحكاواتية عوض التقعيد العلمي الرصين.

الى جانب معضلة أخرى ثنائية العلم الشرعي والموقف الشرعي. فبقدر ماهو مطالب منهم التمكن من العلم الشرعي الذي يجابهون تحديات العصر و سؤالات الشباب الحارقة في زمن تداخل العلوم وبروز التيارات العلموية ؛ مع يستلزمه هذا العلم من ضرورة تقديم موقف شرعي ضد قضايا الامة الكبيرة: التطبيع و الحريات الفردية و العلمنة الشاملة للمجتمع وليس للدولة فقط ناهيك السؤال الاجتماعي والظلم الاجتماعي والسياسي.

حاول الكثير منهم؛ من خلال الوعي بإكراهات عدم توازن القوى؛ العمل بقاعدة ” نسكت عن بعض الحق ولانقول باطلا” مادام المستهدف ليس فقط الاسلاميون بل الاسلام هو المستهدف أي تدين المجتمع من خلال تفكيك الاسرة وتغريب الشباب بالاعلام المنحل الكذاب الجذاب !

لاشك أن ما يقومون به عمل مهم في تحصين الهوية وحفظ التدين الجمعي والاخلاق العامة أمام هكذا تحديات؛ وهي مجهودات مهمة لكن متى تجنبت العديد من المخاطر واستفادت في نفس الوقت من الفرص المتاحة؛ أولى هذه المخاطر ألا يعتبر هؤلاء الوعاظ أنفسهم بديلا عن الحركة الإسلامية ويبنون شرعية وجودهم بمحاولة نسف شرعية وجودها ذلك ان التحديات اكبر منهم بكثير؛ بالتالي يجب ان يعوا دورهم التوعوي في تكامل مع عمل الحركة الإسلامية مهما كان واقع هذه الحركة مع اجب النصح والارشاد من كلا الاتجاهين.
فضلا عن ضرورة الانتقال من التوعية إلى التربية؛ لايكفي اثارة حماس الشباب دون تقديم بديل وضمانات الاستمرارية وهنا لابديل عن بناء اشكال تنظيمية أهلية وتحالفات بين الدعاة انفسهم لتشكيل جبهة كما اصبح غيرهم من التيارات جبهة. لا اقول إعادة انتاج حركات اسلامية لكن لابد من عمل جمعوي اعلامي مجتمعي شبه منظم. أولا لان المؤسسات الاهلية تشكل العالم احتضانا من أي تغول ممكن للسلطة حنقا على شعبيتهم.

*حميد دحسو أستاذ الفلسفة وباحث في الفلسفة والفكر الاسلامي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.