التعليم عن بعد: أسينفعُ الوطنَ؟

admin
2021-04-09T17:04:42+00:00
2021-04-09T17:04:45+00:00
آخر الأخباراقلام حرة
admin9 أبريل 2021آخر تحديث : منذ 4 أسابيع
التعليم عن بعد: أسينفعُ الوطنَ؟

سْلِيمان محمود

الجزء (1)

أن التعليم عن بعد أسلوب لا أحد سينكر أهميته في التعليم والتكوينِ، من الناحية النظريّةِ، فيما أظُنُّ. غير أن المشتغل في ميدان التدريس يدركُ مدى صعابِه، ومشقة الاشتغال به نمطاً تدريسِياً أجبرَ الجبروتُ كورونا الدولَ على اعتمادِه كوسيلة لضمان تعلم الإنسان، وعدم توقف مؤسسة المدرسة وشللِها. ولعله وسيلةٌ، أيضاً، لإنقاذ الموسم الدراسيِّ من الضياع، وإنقاذ الدولة من ثِقل صَرف مبالغَ طائلةٍ على آلاف الموظفين الذين سيتعطلون عن العمل لتوقيف الدراسة، وإغلاق المدارسِ، لكن جيوبهم لن تتأثر، فيكونون بذلك مستفيدين من أموال كبيرة مقابل “لا شيء” قدموه للدولة والوطن، في عز أزمة ضاريةٍ. كما أن استمرار شلل المدرسة، في الموسم الحالي، سيعني أن المكتبات لن تبيع ولو كتاباً مدرسياً واحداً، ولا دفتراً، ولا مقلمة، ولا أقلاماً، فمن يأبه بتلك الكتب ذات الحجم الكبير، والسُّمكِ العريض، والدروس الكثيرة، وقد أنقذه الفيروس من هولِها؟

هكذا يتساءل لسان حال غالبية التلاميذِ. أما ذويهم، فقد أنقذهم التاجي الغاشمُ من مصاريف مرهِقةٍ، فصار يبدو له فيروساً ملكياً رحيماً بهم، رفيقاً بقلة ذات يدهم.

غير أن ذلك لن يُعجِب رجال الأعمال الذين ستتضرر مصالحُهم، ودُورُ نشرهم، ومطبعاتُهم ومكتباتهم، ولن يقبلوا بذلك الضرر.

بهذا المنطقِ؛ منطقِ الاقتصادِ، فيما يبدو لي، تم إقرارُ نمطِ التعليم عن بعدٍ.

إن المتعلمَ لا يتوقف عن قراءة العشرات من الرسائِل التي تردُه من مجموعاتٍ “واتسابيةٍ” كثيرةٍ، كلها تحمل اسم المواد التعليمية التي يدرسُها؛ كأن تجد لدى متعلمٍ في شعبة الاقتصاد، مثلا: م. الفلسفة، م. العربية، م. الاقتصاد، م. التدبير والتسير، م. الانجليزية، م. الإسلاميات، م. الرياضيات…

ومن كل مجموعة، من هذه، وغيرها، تصله الدروسُ من مُدرِّسيه، بصيغ مختلفة: word، pdf، رسالة خطية، روابط لمقالاتٍ تحليلةٍ، أو تمارينَ مصححةٍ، أو دروسٍ مبسطةِ الشرح، منشورة في مواقع الكترونية تعليمية، أو على اليوتوب.

يَتُوه المتعلمُ بين أشجار هذه الغابة الكثيفة بالوثائق والمعلومات، فيصير انتقاد الكثيرين لضخامة المقررات، وفشل نظريات التلقين التي ما تزال ساريةً في الممارسة التعليمية، انتقاداً مضاعَفاً، فالمتعلم غير قادرٍ على استيعاب ما يُبنى من معارف قليلة في حصة دراسية صفية تفاعلية، فكيف يستطيع فهمَ هذا الحجم الهائل من المعارف التي يتلاقاها عن بعد، ويستوعبها بمفرده؟ كيف يستطيع تكوين ذاتِه، وهو لا يمتلك آليات ذلك التكوين؛ فالمدرسةُ المغربيةُ منشغلةٌ بالمعارف والمدارك، كماً لا كيفاً، غافلةٌ عن المهارات، وقد عجزت الأندية التربوية عن فعل ذلك بسبب العزوف عن الاشتغال فيها. وذلك موضوع آخر يطول.

لذلك، فإن المتعلم لا يقدر على شيءٍ مما يُطلَب منه، وهو يعيش وسط أسرة لا تتابع ما يفعل، ولا تواكب دراسته، ولا تمد له يد العون، وكيف تفعل ذلك، وجل المغاربة يقاتلون خارج بيوتهم لصد هجومات الفقر، وكسب قوتِ اليوم؟ ناهيك عن أمية فئة عريضة، كما تؤكد الإحصائيات. ويُسْهِم موقفُ آخرين من المدرسة المغربية في تركيب الإشكال.

والمتعلمُ الذي نتحدث عنه يتراوح عمره بين سبعٍ وسبعَ عشْرةَ سنةً، فهل تكوَّن على كيفية استعمال الهاتف المرتبط بشبكة الأنترنيت استعمالاً آمناً؟ وهل تعلَّم كيف يستطيع البحثَ، والقراءةَ والتحليلَ؟ وهل يملك مهارات تنظيم وقت فراغه بين متابعة دراسته بالاشتغال عن بعد، والتواصل مع أصدقائه، واللعب، والتنزه في حدائق مواقع التواصل الاجتماعي؟

كلها أسئلةٌ تضع جدوى التعليم عن بعد في مأزِقٍ، وتجعل الكثيرين غيرَ مطمئنين لما ستؤول إليه النتائج على المَدَيَات الثلاثةِ.

          _ سْلِيمان محمود

       أستاذ الثانوي التأهيلي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.