ثقافتــنا المعْطُــوبة -ج2-

admin
2020-10-19T21:22:05+01:00
2020-10-19T23:23:45+01:00
اقلام حرة
admin19 أكتوبر 2020آخر تحديث : منذ شهر واحد
ثقافتــنا المعْطُــوبة -ج2-

محمد بوطاهر

في مقال سَابق يحملُ العنوان نفسَه؛ الجزء الأول، بسَطنا القول في مظاهر التعثر الثقافي في الجنوب الشرقي. وقد بأرنا في حديثنا إبانئذ عن دور الفاعل المُثقف في هذا الرّكود الذي يكبل التنمية في جنوبنا المعطوب. ولتتمة الفكرة واسْتواء عُودها أمام فهم المتلقي، لزاما أن نكمل حلقة الأعطاب بذكر الفاعل (به) الجمْعوي/المَدني (النّاشْطْ) وأعراض أزمته وتجلياتها، ولن ندخر جُهدا في إبداء رأينا المُتواضِع في النازلة، رغم تقاطعنا في هذه الصّفة استثناء مع كثير من الأصدقاء والزملاء (الناشْطِينْ)؛ واقعيا وإلكترونيا في رحَى هذا الجنُوب الهش. 

 

ننطلقُ بدءا من واقع ما نعيشه زمن ما بعد ذروة وباء كوفيد 19، حيث نلاحظ أن الناشطين الجمعويين أو من هم تحت هذا الوسْم، لا يسْتطيعون تقديم ما ينبغي تقديمه، ويكتفون فقط بدغدغة مشاعر العوام من الناس الذين أرهقتهم كورُونا وأربكت سيرورة عيشهم، فهؤلاء غالِبا ما يسْعَون إلى تأكيد وجُودهم في السّاحة  بتكرار المقولات نفسها  ذات الرائحة النتنة المُثخنة بالعصبية واللعب على القبلية الجاهلية التي شتت الجنوب أكثر مما هو مُشتت في  المساحة الجغرافية، غايتهم في ذلك استمالة الآخر ولفت انتباه الناس إلى ترّهاتهم، ويغفلون في ذلك أن اللعب مع الصِّغار صَغارٌ وفقدان ثقة. 

 

 إن الصّنف الثاني من هؤلاء (الناشْطينْ) بتسْكين الشين لسُكون أدائهم، وارتباط مبنى الكلمة بمعناها عندهم، والذين لا يظهرون إلا من وراء حِجاب شاشات هواتفهم الممْلوءة برسَائل الغرام أضْعاف رسائل النضال، هُم أشد تنكيلا بالمُجتمع المَحلي ونفاقا لأهله المغلوبين على أمرهم من غيرهم، فغالبيتهم يقولون ما لا يفعلون ويشحذون الهمم في اتجاهات سَلبية تضرّ أكثر مما تنفع، فلا نبعد كثيرا لنسْتقي مثال صفحات الكترونية تحْسِن الهجوم على المُخالفين لخطها التحريري (من الحريرة)، أو فقط لأنهم ليسُوا من المنطقة، أو بناء على حُدُسٍ قبلية خاطئة يشك فيها هؤلاء بأن الآخر الكفء والأجدر سيسْحقهم ويعتلي كبوة المجد الذي يحْسَبون أنه لهم وحدهم دُون غيرهم. إنه الفكر العبثي المُتصلب جنب الماضي البئيس في المنطقة، لا يبرحه إلا ليَصيح بضرورة العودة إليه. 

 

إن أزمة جنوبنا ليْست مع الآخر الذي ننعته في خِطاباتنا دوْما بأنه “المخزن” الغاشم الظالم المُفترس؛ إنها أزمة في عُقول بعضنا البَعض؛ أزمة التّصابي والاِنتقاص والنفاق؛ أزمة العدمية والنظر إلى كل ما يفعله المُخالف لنا باللون الأسْود الذي يسْتحيل نفاذ بياض الأمل منه، … إنه أسْلوب مُتوارث يتفنن “الناشطون” اليوم في إخراجه والتصرف به، ثم السّعي نحو كسْب ذاتي يخلصُهم ممّا هم فيه من فاقة وضنك، وما وقائع اجتماع دورة مجلس الجهة بالراشدية أمس  البارحة إلا وجه من وجُوه عثرات هذا الفاعل الجمْعوي المغرُوم بالعباءة السّياسية، الذي لا يهمّه غير الإرباك والبلطجة ودفع الآخر اللص إلى اشراكه في الغنيمة؛ فالنضال عند هذا الصّنف ليس لسواد عيون الناس وحاجاتهم، بل مطيّة مُختصرة لإشراكهم فقط في الغنيمة وما يُبصِرون. 

 

 حاجة الجنوب الشرقي اليوم ماسّة إلى النخبة الواعية المُثقفة التي أفنت عمُرها في دهاليز النضال وتحكيم الخبرات، وليس لثلة من “الناشْطِين” يعيثون فسَادا في الأرض ويميلون حيث تميل مآربهم ومصَالحهم، ثلة مُثلة تهزهم العصبية والقرابات ولون البشرة أكثر من احتكامهم للحق والضّرورات الأولية، وأحيانا يحملون خطاب الآخر نفسه الذي يروّجون أنه عدُوهم ومُسبب آلامهم. فلا عجب إذن أن ترانا في هذا الجنوب عُقودا عددا ونحن نتخبط في ويلات الخندق نفسِه، لا نستطيع براحها لتعْشِيش أمثال هؤلاء من خدام المَصالح وخدام سياسات الآخر بين مَساقات التنمية. 

….. 

محمد بوطاهر -10 أكتوبر 2020  

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.