«نساء في الجحيم» الكاتب المغربي لحسن اومدين في حوار مع تنغير انفو يكشف تفاصيل مسار الألم والصمود

هيئة التحريرمنذ 20 ثانية
«نساء في الجحيم» الكاتب المغربي لحسن اومدين في حوار مع تنغير انفو يكشف تفاصيل مسار الألم والصمود

حاوره خالد حالمي

المحور الأول: المسار والتكوين
في استعادة لمساركم الإبداعي، كيف تشكلت علاقتكم الأولى بالكتابة، ومتى تحولت من شغف شخصي إلى مشروع أدبي واع؟

 تشكلت علاقتي الأولى بالكتابة في سن مبكرة، حين اكتشفت أن اللغة ليست وسيلة للتعبير فحسب، بل فضاء للبوح ومساءلة الذات والعالم. بدأت الكتابة بوصفها حاجة داخلية، أشبه بمحاولة لترتيب الفوضى التي تعتمل في الروح. غير أن هذا الشغف الشخصي أخذ يتحول تدريجيا إلى مشروع أدبي واعٍ حين أدركت أن النص لا يكتب لإرضاء الذات وحدها، بل ليخاطب الآخر، ويطرح أسئلة تتجاوز التجربة الفردية نحو أفق إنساني أوسع.

ما المراجع الفكرية والجمالية التي أسهمت في صوغ وعيكم الأدبي؟

 تكون وعيي الأدبي في تقاطع قراءات متعددة، عربية وعالمية، كلاسيكية وحديثة. أفدت من الرواية الواقعية في قدرتها على تشريح المجتمع، ومن التيارات الوجودية في انشغالها بأسئلة الحرية والاختيار والمعنى. كما أثرت في النصوص ذات النزعة التأملية التي تمنح اللغة بعدا شعريا دون أن تفقدها عمقها السردي. هذه المرجعيات مجتمعة أسهمت في صوغ حساسيتي الجمالية ودفعتني إلى البحث عن صوت خاص يزاوج بين التأمل والتحليل.

كيف تصفون تطور صوتكم السردي عبر أعمالكم السابقة وصولا إلى هذا العمل؟
أستطيع القول إن صوتي السردي مر من مرحلة الحكي المباشر إلى مرحلة أكثر تعقيدا ووعيا بالبناء الفني. في بداياتي كنت أميل إلى السرد الخطي، ثم أخذت أشتغل على تفكيك الزمن، وتعميق البعد النفسي للشخصيات، وتكثيف اللغة. في هذا العمل تحديدا، حاولت أن أبلغ درجة أعلى من النضج، حيث يتكامل الشكل والمضمون في نسيج واحد يخدم الرؤية الفكرية دون افتعال.

إلى أي حد أثّرت التحولات الاجتماعية والثقافية في تشكيل رؤيتكم الإبداعية؟
لا يمكن فصل الكتابة عن سياقها الاجتماعي والثقافي. التحولات التي يعيشها مجتمعنا، خاصة ما يتصل بقضايا المرأة والحرية الفردية والتحولات القيمية، كان لها أثر بالغ في تشكيل رؤيتي. إن الرواية، في نظري، ليست انعكاسا فوتوغرافيا للواقع، بل إعادة صياغة له في ضوء وعي نقدي يحاول فهم ما يجري خلف الظواهر.

ما التحديات التي واجهتكم في ترسيخ اسمكم داخل المشهد الأدبي، وكيف انعكست على تجربتكم؟

 من أبرز التحديات صعوبة الظهور في مشهد أدبي مزدحم، إضافة إلى محدودية فضاءات الترويج والقراءة النقدية الجادة. غير أن هذه التحديات دفعتني إلى مزيد من الاشتغال على النص ذاته، والاقتناع بأن القيمة الحقيقية لأي كاتب تكمن في جودة منجزه واستمرارية مشروعه، لا في الحضور الإعلامي العابر.

المحور الثاني: في مضامين الرواية
ما السياق الفكري أو الإنساني الذي انبثقت منه فكرة هذا العمل؟

 انبثقت فكرة Des Femmes dans l’Enfer من تأمل عميق في مصائر نساء اخترن طريقا مغايرا لما رسمه المجتمع لهن، او بالأحرى ما هو متعارف عليه، ثم وجدن أنفسهن بعد مرور الزمن في مواجهة أسئلة الوحدة والاختيار والندم. السياق هنا إنساني بالدرجة الأولى، يتصل بصراع الفرد مع الزمن، ومع تبعات قراراته حين تتكشف نتائجها في مرحلة متأخرة من العمر.

كيف تبلورت البنية السردية للرواية: هل انطلقت من شخصية محورية أم من فكرة مركزية؟

 حتى أكون صريحا مع نفسي أولا ومع قراء جريدتكم الموقرة تانيا، انطلقت الرواية من فكرة مركزية تتعلق بثمن الحرية في الحياة، ثم بعدها راحت الشخصيات تتشكل حول هذه الفكرة. ومع تطور الكتابة، أصبحت الشخصيات، وخاصة بطلتي الرواية، كيانين حيين يفرضان منطقهما الخاص داخل النص، بحيث لم تعد الفكرة هي التي تقود السرد وحدها، بل الحوار الداخلي بين الرؤية والشخصيات.

يحمل العنوان دلالات قوية؛ كيف توصلتم إلى اختياره، وما أبعاده الرمزية داخل النص؟

 العنوان ليس توصيفا حرفيا، بل استعارة لحالة وجودية. "الجحيم" هنا ليس مكانا ماديا ولا نقيضا "للجنة"، بل حالة من العزلة الداخلية، ومن الشعور بأن الخيارات التي بدت في زمن ما تحررا مطلقا قد تنقلب إلى عبء نفسي وروحي. اخترت العنوان ليكون صادما ومثيرا للتساؤل، وكذلك لأنه يختزل التوتر الذي يسكن الرواية.

يلامس العمل قضايا إنسانية شائكة، كيف وازنتم بين الطرح الجمالي والبعد النقدي؟

 حرصت على ألا يتحول النص إلى خطاب وعظي أو أطروحة فكرية مباشرة. الجمالية بالنسبة إلي شرط أساسي لفاعلية النقد؛ فالفكرة حين تتجسد في شخصية حية، وفي مشهد مؤثر، تكون أبلغ أثرا من أي خطاب مباشر. لذلك سعيت إلى أن يظل البعد الجمالي هو الإطار الذي يحتضن الرؤية النقدية.

ما موقع الشخصيات النسائية في مشروعكم السردي عموما، وفي هذه الرواية خصوصا؟

 المرأة في مشروعي السردي ليست موضوعا ثانويا، بل محورا لرصد تحولات المجتمع الذي تمثل نصفه ان لم اقل أكثر من نصفه. في هذه الرواية تحديدا، تمثل الشخصيات النسائية مرآة لأسئلة الحرية والاختيار والهوية، وهي ليست ضحايا بقدر ما هن ذوات فاعلة تدفع ثمن قراراتها، إيجابا أو سلبا.

هل تتعاملون مع شخصياتكم بوصفها امتدادات لوعيكم، أم ككيانات مستقلة تفرض منطقها الخاص؟

 في البداية قد تكون الشخصيات امتدادا لوعي الكاتب، لكنها سرعان ما تستقل عنه أثناء الكتابة. كثيرا ما وجدت نفسي أتابع الشخصية بدل أن أقودها، كأنها تكتب جزءا من مصيرها بنفسها. وهذه اللحظة تحديدا هي ما يمنح السرد صدقه الفني.

لغتكم تتسم بنبرة شعرية وتأملية؛ كيف تخدم هذه الخصوصية الأسلوبية عمق الموضوع؟

 اللغة التأملية تتيح الغوص في الأعماق النفسية للشخصيات، وتمنح القارئ فسحة للتفكير لا للاستهلاك السريع للأحداث. إنني أؤمن بأن الرواية ليست حكاية فحسب، بل تجربة جمالية وروحية، ولذلك أحاول أن أجعل اللغة جسرا بين الفكرة والإحساس.

ما السؤال المركزي الذي أردتم أن تضعوه أمام القارئ من خلال هذا العمل؟

 قبل الإجابة على هذا السؤال لابد لي ان اعتذر منكم ومن القراء لان طبيعة السؤال تفرض إجابته مفصلة. 

 السؤال المركزي الذي سكنني وأنا أكتب هذه الرواية لم يكن سؤالا نظريا مجردا، بل كان سؤالا وجوديا يتغلغل في مصائر الشخصيات ويقود حركتها في العمق:

هل الحرية فعل تحرر مطلق لا يخلف وراءه ظلا، أم أنها مسؤولية ثقيلة لا تظهر آثارها إلا مع مرور الزمن؟ وهل يستطيع الإنسان أن يتصالح مع قراراته حين يكتشف أنها لم تهبه الطمأنينة التي حلم بها، بل وضعته أمام شكل آخر من العزلة؟

 لقد حاولت من خلال هذا العمل أن أزعزع التصور الرومانسي للحرية بوصفها خلاصا نهائيا. فالحرية، في نظري، ليست نقيض القيد فحسب، بل هي أيضا عبء الاختيار. حين يختار الإنسان طريقا مخالفا للسائد، فإنه لا يتحرر من الضغوط الاجتماعية فحسب، بل يدخل في مواجهة صامتة مع الزمن، لأن الزمن وحده كفيل بكشف كلفة القرار. 
 الشخصيات في الرواية لم تكن ضحايا مجتمع بقدر ما كن ذواتا واعية اتخذن قراراتهن بإرادة واضحة. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يكفي الوعي لحماية الإنسان من الندم؟ وهل يمكن لقرار بدا في لحظة ما شجاعا ومضيئا أن يتحول، بعد سنوات، إلى مصدر قلق داخلي؟

 إنني أردت أن أضع القارئ أمام مفارقة دقيقة: قد ننجح في انتزاع حريتنا من قيود الخارج، لكننا قد نعجز عن التحرر من أسئلة الداخل. فهل الطمأنينة وليدة الانسجام مع الذات، أم ثمرة الانتماء إلى الجماعة؟ وهل يمكن أن يجتمع الاستقلال الكامل مع الشعور العميق بالسكينة؟

 بهذا المعنى، فالرواية لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تفتح مجالا للتأمل: ما الثمن الذي نحن مستعدون لدفعه مقابل أن نعيش وفق قناعاتنا؟ وهل الشجاعة تكمن في اتخاذ القرار، أم في القدرة على تحمل نتائجه حتى النهاية؟

 إنني أؤمن بأن الأدب لا يمنح حلولا، بل يمنح وعيا او يساعد على بنائه. ولذلك كان همي أن أترك هذا السؤال معلقا في ذهن القارئ، ليعيد النظر في مفهوم الحرية ذاته، لا بوصفها شعارا، بل تجربة إنسانية معقدة تتقاطع فيها الرغبة، والمسؤولية، والزمن.

كيف تقيمون تلقي القراء والنقاد للرواية حتى الآن؟

 تلقي القراء كان مشجعا للغاية الى حدود الساعة، خاصة من حيث التفاعل مع مصائر الشخصيات. بعض القراءات النقدية توقفت عند جرأة الطرح وعمق المعالجة النفسية كما وقف اخرون عند العنوان الذي استفز البعض، وهو ما أعتبره مؤشرا إيجابيا على أن الرواية استطاعت أن تثير نقاشا يتجاوز حدود النص وهذا امر محمود.

المحور الثالث: الرؤية والمشاريع المستقبلية
كيف تنظرون إلى دور الأدب اليوم في مساءلة الواقع وإعادة تشكيل الوعي؟
أرى أن الأدب اليوم يشكل فضاء حيويا لمساءلة الواقع وكشف تناقضاته بعيدا عن الخطاب المباشر. إنه لا يغير العالم بقرارات آنية، لكنه يعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبمحيطه. فحين يزرع الشك في اليقينيات الجامدة، يفتح أفقا جديدا للتفكير والنقد. ومن هنا تنبع قوته الهادئة والعميقة، بوصفه فعلا ثقافيا يحرك الوعي قبل أن يحرك الواقع.
هل تعتبرون أعمالكم امتدادا لمشروع فكري متكامل أم محطات بحث متجددة؟
أعتبرها محطات بحث متجددة ضمن أفق فكري عام يهتم بأسئلة الحرية والهوية والمعنى. لا أزعم امتلاك مشروع مكتمل، بل أرى الكتابة رحلة مستمرة في اكتشاف الذات والعالم.
ما القضايا أو الثيمات التي ما تزال تستفز مخيلتكم ولم تخوضوا فيها بعد؟
بكل صراحة يستفزني كل ما له علاقة بالإنسان وواقعه، أسئلة الشيخوخة والذاكرة، والعلاقات الإنسانية بتعقيداتها، وعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا الحديثة، وتحولات العائلة في زمن الفردانية المتصاعدة. أشعر أن هذه القضايا تحتاج إلى مقاربة سردية متأنية وعميقة.
هل تعملون حاليا على مشروع أدبي جديد؟ وما الأفق الذي تودون استكشافه في كتاباتكم القادمة؟
أكتفي بالقول إنني أعمل حاليا على مشروع جديد، وأفضل أن أترك تفاصيله طي الكتمان حتى يظل عنصر المفاجأة قائما، ولا ينكسر أفق التشويق لدى القراء.
كيف تتمنون أن يقرأ منجزكم الأدبي بعد سنوات؟
من عادتي أنني أرجو ولا أتمنى، لأن الرجاء عندي فعل إيمان هادئ بما يمكن أن يتحقق عبر الزمن. لذلك أرجو أن يقرأ منجزي الأدبي بوصفه شهادة إنسانية صادقة على مرحلة تاريخية بكل ما حملته من تحولات وأسئلة وقلق وجودي، لا بوصفه توثيقا خارجيا للأحداث، بل رصدا لاهتزازات الداخل الإنساني في مواجهة تلك التحولات.
كما أرجو أن يتجاوز هذا المنجز حدود الجغرافيا والسياق الثقافي، وأن يجد صداه لدى قارئ لا يشبهني بالضرورة في اللغة أو البيئة، لكنه يشبهني في هشاشته وأحلامه وأسئلته. فما يشغلني في النهاية ليس الحدث في ذاته، بل الإنسان في ضعفه وقوته، في شجاعته وتردده، في اختياراته وأخطائه، وفي بحثه الدائم، وربما الأبدي، عن معنى يمنح حياته قدرا من الطمأنينة.
إذا استطاع قارئ، بعد سنوات من الآن، أن يجد في نصوصي مرآة لقلقه أو عزاء لأسئلته، فذلك هو الرجاء الذي يكفيني.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة