عسّو أوبسلام: أسطورة الجبل و بطل المقاومة

هيئة التحريرمنذ 3 دقائق
عسّو أوبسلام: أسطورة الجبل و بطل المقاومة

خالد حالمي

في قلب جبال صاغرو، بإقليم تنغير حاليا ، وُلد عام 1890 عسّو أوبسلام في قصر “تاغيا”، الرجل الذي سيصبح رمزاً للمقاومة الأمازيغية ضد الاستعمار الفرنسي، وصوتاً للأحرار الذين رفضوا الخضوع للقوة الأجنبية. منذ صغره، تربى بين كبار قومه في مجالسهم، حيث تعلم فن المشورة والقيادة وحل النزاعات، واكتسب معرفة عميقة بكل قبائل المنطقة وطبائعها، ما أهله لاحقاً ليصبح قائداً يُسمع له في كل أرجاء قبائل آيت عطا.

كان عسّو أوبسلام مثالاً للقائد المتفهم والحكيم، الذي يجمع بين الشجاعة والحنكة السياسية. لم يكن يقود فقط عبر القوة، بل بالقدرة على توحيد القبائل وبناء استراتيجيات تتناسب مع طبيعة الجبال والتضاريس، مع احترام الأعراف والقوانين الأمازيغية الأصيلة التي تحكم العلاقات بين القبائل.

المسيرة النضالية

منذ بداية القرن العشرين، حاولت القوات الاستعمارية الفرنسية التوغل في منطقة صاغرو للسيطرة على الجنوب الشرقي المغربي، إلا أن عسّو أوبسلام وقبائل آيت عطا شكلوا سداً منيعا أمام طموحاتها التوسعية. خاض معارك شرسة مثل “تاوزا”، “النيف”، “تازارين”، و”ناقوب”، مسبباً خسائر فادحة في صفوف القوات الفرنسية.

لكن المعركة التي خلدت اسمه في صفحات التاريخ كانت معركة جبل بوكافر في 13 فبراير 1933. حينها، حاولت فرنسا اقتحام المنطقة بقوة تجاوزت 83 ألف جندي ومدفعية وطيران، لكن عسّو أوبسلام وقواته المقاوِمة دافعوا ببسالة عن الأرض، مُحدثين هزيمة نادرة للغزاة. تكبد الفرنسيون خسائر فادحة، بينما دفع المدنيون ثمن المقاومة، إذ تأثرت نساء وأطفال آيت عطا بالحرب وسياسة الأرض المحروقة التي انتهجها الاحتلال. ومع ذلك، لم يثنَ ذلك عزيمة المجاهدين، وظلوا صامدين حتى اضطرت فرنسا لفتح باب الحوار والهدنة في 24 مارس 1933.

فلسفة المقاومة

لم يكن عسّو أوبسلام مجرد قائد عسكري، بل مفكر في المقاومة وقيمها. اشتهر بالمقولة الخالدة: “نحمل السلاح ليحمل أبناؤنا القلم.” إذ ربط بين الدفاع عن الأرض والكرامة وبين التعليم والمعرفة، مؤمناً بأن الحرية لا تتحقق بالسلاح وحده، بل بتربية الأجيال على الوعي والثقافة.

الإرث والتأثير

بعد صراع طويل مع الاستعمار وقيادة المقاومة في جبال الأطلس الصغير، واصل عسّو أوبسلام الدفاع عن مجتمعه حتى بعد توقيع الاتفاقيات مع السلطات الاستعمارية التي أعادت بعض الحقوق للقبائل، ومنها إبقاء الأسلحة في أيدي السكان وحماية النساء من أعمال السخرة. توفي رحمه الله في 16 أغسطس 1961 بعد معركة طويلة مع مرض السكري، ودفن في مقبرة أجداده بجماعة تاغيا ن إيلمشان.

ترك عسّو أوبسلام إرثاً تاريخياً يُذكر فيه البطولة والشجاعة والنبل في سبيل الحرية. لم يكن مجرد رجل حرب، بل رمزاً للكرامة والمقاومة الثقافية والسياسية، شكل صوته ورؤيته مصدر إلهام للأجيال الأمازيغية لاحقاً.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة