صراع إيران وتل أبيب.. من يرسم الخرائط ومن يدفع الثمن؟

هيئة التحريرمنذ 13 ثانية
صراع إيران وتل أبيب.. من يرسم الخرائط ومن يدفع الثمن؟

خالد حالمي

يتصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران في صراع مفتوح يتجاوز حدود الضربات العسكرية أو المواجهات غير المباشرة. فالمسألة أعمق من تبادل رسائل نارية؛ إنها مواجهة على خريطة المنطقة لعقود مقبلة.

إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها تهديداً استراتيجياً بعيد المدى، ليس بسبب الجغرافيا، بل بسبب شبكة النفوذ التي نسجتها طهران في أكثر من ساحة عربية. هذا النفوذ يمنح إيران قدرة على الضغط والردع دون احتكاك مباشر. لذلك فإن الهدف الإسرائيلي الواقعي لا يبدو احتلالاً مباشراً أو توسعاً تقليدياً، بل تحييد هذا التهديد: كسر قدرات الردع، وإعادة إيران إلى الداخل، أو دفعها نحو صيغة حياد إقليمي تضمن تفوقاً إسرائيلياً طويل الأمد.

لكن قراءة أعمق تكشف أن الصراع لا ينفصل عن تصور إسرائيلي تاريخي يقوم على توسيع مجال الحركة والنفوذ داخل البيئة العربية. ورغم عداء إيران الصريح، فإنها ليست هدفاً جغرافياً سهلاً أو قابلاً للاحتواء؛ فهي قوة إقليمية صلبة بحكم ثقلها السكاني، وعمقها الجغرافي، وبنيتها المؤسسية، وقدرتها على إنتاج أدوات نفوذ عابرة للحدود. لذلك يصبح الهدف الأكثر واقعية هو إضعافها وتفكيك قدرتها على التأثير، لا السيطرة عليها.

في المقابل، تبدو دول عربية كثيرة — نتيجة هشاشتها البنيوية، وتحدياتها الاقتصادية، واعتمادها الأمني على الولايات المتحدة — جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتقاطع فيها المصالح الأمريكية مع هدف إضعاف طهران وإعادة ضبط توازنات القوة. وهنا يتداخل الصراع الإسرائيلي–الإيراني مع الاستراتيجية الأمريكية، ليضع العالم العربي أمام خيار معقد: الانخراط في ترتيبات أمنية تقودها واشنطن، أم البحث عن صيغة استقلالية تقلل كلفة التحولات المقبلة.

السؤال الذي يقلق كثيرين عربياً هو: ماذا لو تحقق هدف تحييد إيران؟ هل يؤدي ذلك إلى توازن جديد أكثر استقراراً، أم إلى فراغ تستفيد منه قوى أخرى؟

الصورة هنا معقدة. فالعالم العربي لم يدخل هذا الصراع بوصفه كتلة سياسية واحدة، بل كساحات متباينة المصالح والحسابات. بعض الدول ترى في تمدد طهران تهديداً مباشراً لأمنها الوطني، وتعتبر أي إضعاف لقدراتها مكسباً استراتيجياً. دول أخرى تخشى أن يؤدي انهيار ميزان الردع إلى اختلال أوسع يكرّس تفوقاً إسرائيلياً غير مقيد. وبين هذا وذاك، تقف دول تحاول إدارة علاقتها مع الطرفين ببراغماتية حذرة، خشية أن تتحول أراضيها إلى مسرح رسائل متبادلة.

وفي هذا السياق، يبرز مثال المغرب، حيث وجد بعض النشطاء والسياسيين أنفسهم في موقع دفاع دائم عن خيارات التقارب مع إسرائيل. ومع تصاعد الحرب والخطاب الحاد في المنطقة، أصبح هؤلاء يدفعون ثمن انكشاف مواقفهم أمام رأي عام عربي شديد الحساسية تجاه القضية الفلسطينية وأي اصطفاف يبدو منحازاً بالكامل. الإشكالية هنا لا تتعلق فقط بمواقف أفراد، بل بطبيعة الرهان ذاته: فالدول، في نهاية المطاف، لا تتحرك بدوافع عاطفية أو أخلاقية مجردة، بل وفق حسابات مصالحها القومية. وإسرائيل، مثل أي دولة أخرى، لن تضع مصالح حلفائها فوق أولوياتها الاستراتيجية، خصوصاً إذا تعارضت مع ما تعتبره أهدافاً أمنية أو توسعية بعيدة المدى. الرهان على تحالف غير متكافئ قد يمنح مكاسب ظرفية، لكنه لا يضمن حماية دائمة حين تتغير موازين القوى.

التجربة التاريخية منذ اتفاقية سايكس بيكو تُظهر أن المنطقة لا تتحمل الفراغات طويلاً. حين تتراجع قوة إقليمية، تسارع أخرى إلى ملء المساحة. وإذا لم يكن هناك مشروع عربي متماسك، فإن الساحة العربية تتحول إلى مجال تنافس مفتوح، لا إلى طرف فاعل يفرض شروطه.

الخشية ليست من “توسع جغرافي” مباشر، فزمن الاحتلال الكلاسيكي تغيّر. النفوذ اليوم يُمارَس بأدوات مختلفة: تفوق عسكري نوعي، هيمنة تكنولوجية، شراكات اقتصادية، واندماج في منظومات إقليمية تعيد تعريف التحالفات. السيطرة لم تعد تعني رفع علم فوق أرض، بل القدرة على تحديد قواعد اللعبة وصياغة بيئة إقليمية مريحة.

من هنا، فإن انكسار إيران — إن حدث — لن يكون نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة من إعادة توزيع القوة. والنتيجة لن تتحدد فقط بما تريده تل أبيب أو طهران، بل بما يفعله العرب أنفسهم: هل يستمرون في التفاعل مع التحولات كأطراف متفرقة، أم يبادرون إلى صياغة رؤية أمنية واقتصادية مشتركة تعيد لهم زمام المبادرة؟

السؤال الجوهري ليس: من ينتصر؟ بل: من يرسم خرائط المرحلة المقبلة؟ ومن يدفع ثمن إعادة تشكيل الإقليم؟

في السياسة، من لا يملك مشروعاً، يصبح جزءاً من مشروع غيره. وبين إيران وتل أبيب، يبقى مستقبل المنطقة مرهوناً بقدرة العرب على الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الفاعل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة