حاوره خالد حالمي
بمناسبة صدور كتاب للدكتور المصطفی بوجعبوط يتناول دراسة مقارنة لتجارب العدالة الانتقالية وأهمية التركيز على وضع هندسة آليات عمل لجان الحقيقة و المصالحة تحت مجهر البحث العلمي.

- أود أن أشكركم على فتح نقاش وحوار جاد حول هذا الكتاب الجديد المعنون: ” التجارب الدولية للعدالة الانتقالية: مظاهر تفكيك مظالم الماضي – دراسة مقارنة في هندسة آليات عمل لجان الحقيقة والمصالحة -جنوب أفريقيا، سيراليون، غواتيمالا، بيرو، شيلي، الأرجنتين، تيمور الشرقية”، هذا يؤكد مدى تفاعل الاعلام المغربي مع كتاب وباحثين في مختلف المجالات، فهذا الكتاب هو ثمرة جهد وهو سادس (6) كتب التي تم نشرها في مجال العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان.
وتأتي أهمية التركيز على هندسة آليات عمل لجان الحقيقة والمصالحة كما طرحها هذا الحوار إلى نقل عمل لجان الحقيقة إلى مختبر الأبحاث الأكاديمية بشكل دقيق وعلمي، لأن معظم الدراسات والأبحاث ترتكز على مخرجاتها ولكن هذا الكتاب ركز ضمن أحد فصوله على هذه الآلية لما لها من أهمية معرفية التي من خلالها يمكن معرفة مدى جدية مخرجات التقرير النهائي للجان الحقيقة. - يتناول الاصدار الجديد قضية التجارب الدولية للعدالة الانتقالية في اطار تفكيك مظالم الماضي نود التساؤل هنا عن السبب وراء اختيار هذه التجارب تحديدا ؟ الاختلافات و التقاطعات .
أُعيد من جديد تأكيد أن الكتاب له أهمية كبيرة وسعي من خلاله دراسة مجموعة من تجارب العدالة الانتقالية لسببين: أولا: كوني باحث متخصص في مجال العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان وباعتباري مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية ورئيس مسؤول على المجلة المغربية للعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان، إذن مسؤوليتي تقتضي مني الالمام بالتجارب الدولية للعدالة الانتقالية. ثانيا: أن أطروحتي الدكتوراه كانت على العدالة الانتقالية وبحثي ماستر كانت كذلك على حقوق الإنسان . إذن أمام هذا، كان لي دوافع وفضول معرفية للاطلاع على تجارب العدالة الانتقالية التي وقفت من خلالها على اختلافات بين تجارب العدالة الانتقالية من حيث تكوين واختصاصات لجان الحقيقة ومخرجاتها وتقاطعات من حيث الهدف هو معالجة ارث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وإنهاء الاستبداد ومظالم الماضي ومأسسة الانتقال من وضعية اللااستقرار إلى حالة الاستقرار. - ماهي أهمية تركيز الدكتور مصطفى بوجعبوط على تجارب العدالة الانتقالية في الاصدار الجديد رغم مرور عقود على نهاية هذه التجارب، هل الأمر مرتبط برغبة الباحث الاكاديمي في كشف دروس التجارب للمطلع المهتم ؟
لاحظ معي، يجب أن ننتبه إلى هذا من زوايا متعددة بالرغم من مرور عقود من نهاية عمل لجان الحقيقة إلا وأنها لازالت تثير نقاشات علمية أكاديمية ونقاشات حول جدوی إنشاء بعض من تجارب العدالة الانتقالية مادام لم تلتزم بمخرجات تقاريرها النهاية، وأنه بالرغم من تأسيس تلك اللجان إلا وأن التقارير الموازية للمجتمع المدني تثير بعض اشكاليات لعدم استكمال ملفات منها الحقيقة وجبر الأضرار وحفظ الذاكرة وغيرها من آليات العدالة الانتقالية المتعارف عليها. وهنا تأتي أهمية البحث الأكاديمي للوقوف على هذه الاشكاليات.
على ضوء هذا، ومادامت حالات النزاعات والصراعات والديكتاتورية والاستبداد في العديد من الدول، فإن دراسة هذه النماذج جد مهمة لأجل دعوة تلك الدول إلى تبني نُهج وتطبيقات العدالة الانتقالية لإقرار المصالحة الوطنية ، إذن لابد من كشف الدروس من تلك التطبيقات والوقوف على نقط القوة والضعف فيها. - تقاطع التجارب التي يتناولها الاصدار مع تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب بين النجاح و الاخفاق بشأن هندسة آليات عمل لجان الحقيقة و المصالحة ؟
أشكرك على هذا السؤال الجريء، الكتاب يتناول 7 تجارب دولية للعدالة الانتقالية من قارات مختلفة يلتقيان من حيث الهدف ويختلفان من حيث الوظيفة والتتبع فهذه التجارب التي تناولها الكتاب كل من : -جنوب أفريقيا، سيراليون، غواتيمالا، بيرو، شيلي، الأرجنتين، تيمور الشرقية، إنها تجارب مهمة استطاعت تقليص مظالم الماضي غير أن البناء الهندسي لكل تجربة ساهمت في نجاحها نسبيا والوصول إلى الحد الأدنى من التوافقات في كل محطة من محطات عملها وأخفقت في بعض المحطات الأساسية، لكنها لعبت دور في ضمان الحقوق والحريات للضحايا ومأسسة عدة مؤسسات حقوقية لعدم تكرار الانتهاكات في المستقبل، وبالتالي، فإذا كانت السنوات الآفلة مكنت التجارب من تصنيف معين، فإن مرور سنوات عن نهاية عمل لجان الحقيقة وصدور توصيات تعيد التصنيف من جديد لمدى التزام تلك الدول بمخرجات تلك اللجان وإقرارها على مستوى الواقع تلك التوصيات.
بالرغم من أن الكتاب لم يتضمن التجربة المغربية لكوني أعد كتاب خاص حول المغرب، ولكن لابد أن أشير هنا وتفاعلا مع سؤالك، أن التجربة المغربية تحضى بأهمية كبيرة ضمن التجارب الدولية وتتبوأ المكانة العالية في تصنيف تجارب العدالة الانتقالية الدولية، لكون المغرب لازال يواكب تنزيل مخرجات التقرير النهائي لهيأة الانصاف والمصالحة وهذا إيجابي بالرغم من مرور 20 سنة عن نهاية عمل الهيأة، ولكن يجب أن ننتبه أن هناك ملفات عالقة في التجربة المغربية وهذا نقاش طويل لا يمكن الخوض فيه الآن، يمكن أن نخصص له حوار آخر. - كلمة للقار ئ المهتم بالاطلاع على مضامين الكتاب
أدعوا جميع المؤسسات الرسمية والفعاليات الحقوقية والباحثين والطلبة والمهتمين الاطلاع على مضامين الكتاب لأهميته الأكاديمية والمعرفية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فالكتاب يثير النُهج الثقافة والفكرية والحقوقية التي تشبعت بها تلك التجارب من قيم حضارية وأخلاقية مكنتها من الانفتاح على قيم العدالة الانتقالية. وكما واكب الكتاب المتغيرات القانونية والمؤسسات لما بعد إصدار التقارير النهائية للجان الحقيقة والمصالحة من خلال دساتيرها وبعض من قوانينها وتفاعلها الأممي والدولي. وبالتالي، فإن هذا المجال يحتاج للمزيد من البحث والتتبع لأجل معرفة كيف تتغير الشعوب والنظم السياسية وكيف تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى.





















