جريمة منتصف الليل

2020-05-18T18:42:01+00:00
2020-05-18T18:42:50+00:00
آخر الأخباراقلام حرة
admin18 مايو 2020آخر تحديث : منذ أسبوع واحد
جريمة منتصف الليل
رابط مختصر
مصطفى بودوج

مصطفى بودوج

يداي ترتجفان، ربما من الصاعقة التي مرت قبل دقائق، رعد و برق يخيفان، و صديقاي بجانبي نائمان، على بطنيهما مستلقيان، و على وجههما هائمان، ما يحدث، هما لا يدريان. يداي ترتجفان، لا أعلم ما السبب، أ لأنني تائه، ربما، قد يسقط المرء مرة و هذا عادي جدا، لكن أن يصبح السقوط مألوفا، فهو الأصعب، صديقاي امتحنا اليوم مرة أخرى، و ها هما بجانبي كأن شيئا لم يحدث، خسرا معركة أخرى، بل الحرب كلها، لقد انتهى أمرهما أخيرا، استسلما فجأة و عادا أدراجهما نحو المنزل، و أي منزل، عادا ضاحكين يركل الواحد منهما الآخر، ربما يحاولان نسيان ما قد حدث، أو أنهما، حقا، لا يهتمان. يداي ترتجفان، ربما خائف أنا من أن أكون مثلهما، إن لم يحدث هذا مسبقا، أن أكون وسط زوبعة من المشاكل، و لا ألقي لها بالا، أن أمر بأوقات عصيبة دون أن أدري ذلك، و رغم كل تلك القساوة، أسير نحو مجمعنا هذا غير آبه بما يحدث من حولي، كأني غائب غير معني بالأمر، كأني أنا هو هما، بعد أن كانا هما أنا.

معاذ، صديقي، كأنه استعاذ بالله من إيجاد عمل، و يا للعجب، منح رغبته و غايته، ثمانية و عشرون سنة مرت من عمره في لمح البصر، منها ثمانية عشر سنة من الذهاب و الإياب من و إلى المدرسة، الإعدادية، الثانوية، الجامعة، ربما و مثل أقرانه الكثر، قضاها متسكعا في الشارع أو متكئا على جدران المؤسسات التي مر منها، كأنه “عساس”، و نعم العساس، لا الكبار يفلتون منه و لا الصغار، يغتاب المارين تارة، إن هو لم يجد ضالته أو إن كان بصدد إعداد سيجارته الخاصة، يتشاركها مع أصدقاء العمل، العساسين و العساسات، يستنشقون دخانها فتنتعش دواخلهم، يحيون بعضهم البعض على حسن اختيار مادة السيجارة الأولية و جودتها، و يربتون على أكتاف بعضهم البعض كأنهم يتبادلون التهاني، لا أحد يستطيع وصف فرحتهم و هم الذين حققوا المبتغى و أحضروا عدة عملهم دون أي وجه نقص، و العمل؟، فليذهب العمل للجحيم، و تارة أخرى، لا تسمع لمعاذ صوتا حتى تظنه غائبا مخلفا الموعد، لكن، ليس إلا هدوء يسبق عاصفة هوجاء، فبعد أن يشرب معاذ من قنينته السحرية جرعات ليست بكثيرة العدد، ينطلق صارخا في الحاضرين أن انصرفوا، فاللحظة لحظته، و الملك ملكه، و هو الآمر و الناهي، كما لا ينسى أن يظهر قنينة علاء الدين، مشيرا إليها و واصفا ما بداخلها بالشراب السحري، الذي حقق له أمانيه على قلتها، الواضح أن الصراخ هكذا بسبب شراب سحري يعتبر إنجازا حقيقيا لدى معاذ، فهنا يحس بأنه يفرض نفسه و جاعل لنفسه مكانا بين كبار القوم، بعد أن تهرب منه فتيات المؤسسة على صغرهن، و يبتعد عن طريقه الباقون، و الواقع، أن صراخه هذا يعده إنجازه العظيم و الوحيد. معاذ، الآن بجانبي، يتقلب في مكانه يمنة و يسرة كالباحث عن شيء مفقود، هائم لا هو سيجد المفقود في حلمه و لا هو مستيقظ ليتقفى أثره في واقعه، حتى العاصفة لم تكن لها فرصة لإيقاظه، زعزعت السماء من فوقه و ظلت جفونه مغمضة. تساءلت ترى ما حال حسن، المستلقي بجانب معاذ، حياته كلها خريف فأين الربيع، ما الذي نما كي تتساقط أوراقه، و ما الأحلام التي أينعت و اخضرت كي تصفر، أم أن حسن ضل الطريق نحوها فحان وقت قطف ثمارها دونه، المهم أن حسن أعد نفسه جيدا لهذا اليوم، فخسارته الجديدة لم تكن ذات وزن و لا ثقل كي تحزنه و تمنع عنه النوم، مرتاح البال و الخاطر، ينعم بنومه الهنيء، أو هكذا أظن، لا يختلف حال حسن عن معاذ كثيرا، يتشاركان قنينات الكحول كلما سمحت لهما الفرصة بذلك، الفارق بينهما ظاهر للعيان، فأحدهما يسكر علنا و الآخر سرا، حسن بذلك يحاول الحفاظ على سمعته من أن تلوث، و من أن يكون هو سبب ذلك، و لربما حرص أشد الحرص على عدم رؤيتي له، لكن الأقدار شاءت، و لها ما شاءت. حسن يكبر معاذ بسنتين، لكنهما لم تكونا كافيتين كي ينقذ نفسه من براثين البطالة و الطيش، طيشه المبالغ فيه حمله لتذوق السجائر على اختلاف أنواعها و شرب الخمور بمذاقاتها العديدة، لكنه حتى الآن، لم يصل بعد ، حسبه، إلى أجودها و أفضلها، يقول دائما أنه و كما لكل شخص ملابس تناسبه و قصة شعر تروقه و تحسن مزاجه، فله أيضا سيجارة معينة و محددة تقتل آلامه، و له قنينة خمرة تنسيه أحزانه مع كل رشفة، و لعلني أرى غايته بعيدة و مستحيلة، فكلما ظهر نوع جديد من السجائر ارتبط به و تعلق، حتى إنني لأحنو على حاله، و أتقطع لأيامه التي تزداد سوء، ليس حبا له و فيه، و لكن، خوفا من أن تسوقني الظروف إلى حال أقسى، و وضع أدهى و أمر. لا زالت يداي ترتجفان، جذبت الغطاء نحوي، أغمضت عيني محاولا إسكات ما يؤرق نفسي و يمنع عن دواخلي الهدوء و السكينة، فما في الخارج أهون و أقل أهمية، و من الأفضل أن أرأف بحالي أولا، و ليذهب معاذ و حسن إلى ….، لم أكملها، أعرف جيدا أن صوتا داخلي سيعاتبني، صمتت للحظات، قبل أن أغط في نوم عميق، استدرجني إلى حيث لم أرد الذهاب.

قض مضجعي كابوس آخر، فاعتدلت تحت غطائي المرقع، و حملت هاتفي أفتش فيه عن صور أنشرها، فأحظى بذلك بإعجابات أصدقائي و تعليقاتهم المحفزة. بعد لحظات ، سمعت ما يشبه : “لست فاشلا و لست خائفا”، أو هكذا حقا نطق معاذ، أزال عن جسده ما غطاه به، و نهض كي يثبت لنفسه ذلك، محاولة أخرى من محاولاته البائسة اليائسة أظن، …

WhatsApp Image 2020 05 18 at 04.42.39 - تنغير أنفو :: الخبر اليقين بين يديك

الجزء الاول

يتبع

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.