من يرحم النشء من الضحالة والتشظي اللغوي؟؟

426 مشاهدة
أخر تحديث : السبت 13 أكتوبر 2018 - 7:36 مساءً
من يرحم النشء من الضحالة والتشظي اللغوي؟؟

كان الله في عون هذا النشء الصاعد من الأطفال والشباب وهم قد كادوا يصمون رغم الصراخ الذي حولهم،وكادوا يقعدون رغم الفوضى التي تجرهم وتتحرك حولهم،وكادوا لا يتكلمون إلا ببعض الرموز والإشارات،ولا يبصرون إلا ببعض الرسوم المتحركة وكوابيسها والصور العشوائية وإيحاءاتها والفيديوهات المشاعة وانحلالها،وهذا رغم ما يزخر به محيطهم من فرط اللغات واللهجات والحواريات والتواصليات الواقعية والافتراضية؟،كان الله في عون أجيال بكماء ولغتها فصيحة،وأجيال مهدرمة لا تكاد تقول أو تفهمك شيئا ولغتها أدق من دقيقة،وأجيال عنيفة ولسانها لين رخيم رطب رحيم،وأجيال نائمة لا تبالي وأمثالها يقظة متقدة،وأجيال.. وأجيال؟؟.

تلكم بعض أحوال جيل اليوم الذي وجد نفسه في مواجهة مفتوحة مع الازدواجية والتعددية اللغوية،ازدواجية وتعددية اضطرارية هدامة أكثر منها اختيارية بانية،ازدواجية بين الفصحى والعامية،وتعددا في العاميات واللغات الأجنبية،فصحى سرعان ما تتحول إلى عامية،وعامية سرعان ما تخالطها فرنسية”مبعككة”وأنجليزية عالمة معولمة و”زنقاوية”منحلة وعنيفة و”قايسبوكية” مفككة و مطلسمة..،سرعان ما تنشطر وتتشظى في الهواتف الذكية والحواسيب الشخصية والأندية المعلوماتية والشبكات العنكبوتية..،فتجد لها رجع الصدى في الرسائل والفيديوهات، والبرامج والحوارات،والقصص والمسرحيات،والمجلات والروايات،قبل المقررات والامتحانات والمقابلات،وكلها تريد أن تحل محل الفصحى وتسعى بكل الوسائل واللوبيات والسياسات إلى ذلك؟؟.

وكأن القوم قد تطاولوا في اللسان فولدت الأمة ربتها وصنعت العامية فصحتها،ضعف في التعبير الشفوي،وركاكة في التعبير الكتابي سواء تعلق الأمر بالكلمة والكلمتين أو الجملة والجملتين أو حتى الفقرة والفقرات؟؟،غرابة في الألفاظ  وضبابية في المعنى وتشتت في الفهم و” شوارعية” في الذوق..،وغير ذلك من مظاهر التخلف اللغوي غير المسبوق و”خربشات” لوحاته الرديئة القاتمة رغم ألوان صباغتها الفاقعة؟؟،كم يرتدي الشباب من أقمصة عليها رموز وعبارات لا يفهمونها،وكم يرددون من أغاني صاخبة مبتذلة لا يفقهونها،لا كلمات ولا إيقاعات وألحان فردية ولا مجموعات،وكم يتشبه الفتيات في لباسهن بلباس الفتيان ويتشبه الفتيان في تسريحاتهم وقلائدهم بتسريحات وقلائد الفتيات،قسما،قد رأيت يوما تلميذا قد كتب في ورقة امتحانه يعرف بنفسه في الأعلى وعلى الهامش،اسم “سعيدة” بدل اسمه “سعيد”؟؟.

ولكن تبقى هذه المعضلة اللغوية تساءلنا جميعا وليس الجيل الناشئ وحده وما بقي لديه إن بقي لديه شيء من الحافزية والمجهود الذاتي؟،فقبل أن يصبح نشؤنا ظباء حي بن يقظان أو رفاق “ماوكلي”،ما هي أفضل طريقة علمية وبيداغوجية لدينا لتعليم اللغة؟،كيف يمكن الانفتاح على تعلم اللغات الحية بنجاعة وفعالية دون الإضعاف بلغة الأم ورصيدها التواصلي ولا ببنية أم اللغات وحمولتها في المرجعية والانتماء؟،وعلى أي لغات يمكن أو يجب الانفتاح اليوم وبأي معيار ومتى وبكم وكيف؟،ما هو دور الأسرة في تقويم وتهذيب لسان أبنائها قبل غيرها؟،لماذا تفشل المدرسة في تدريس اللغة ولغة التدريس؟،وإلى متى ستبقى تسود فيها كل هذه التعددية والركاكة اللغوية؟،أين إضافة الجمعيات والمجتمع المدني وقوته الاقتراحية ومبادراته الميدانية والواقعية والاستباقية والعلاجية في الموضوع؟،إن المعضلات لا تحل والأشياء لا تتغير إلا بالتدخلات والمبادرات ونضج الحوارات وحسن الاختيارات،ويؤسفني أن تكون سياسة الجميع اتجاه الشأن اللغوي المتردي في صفوف النشء،عمليا هي سياسة التفرج على مأساة كرة الثلج المتدحرجة واللاتدخل،ولكن إلى متى؟؟.

يقول أحد اللغويين المغاربة فيما معناه:”أن المعضلة اللغوية في المغرب هي أن هناك تعددا لغويا مضطربا ومضطردا بين الأمازيغية(لغة العمق التاريخي والسكان الأصليين)،والعربية(اللغة الوطنية والرسمية للبلاد)،والفرنسية(لغة المستعمر والمال والأعمال)،وكل أصحاب لغة يحاولون فرضها على الجميع لمجرد هذه الاعتبارات الواهية دون عائدات مادية مجتمعية وتقنية حقيقية”؟؟.والواقع أن في هذا الرأي ثلاث مغالطات على الأقل،أولها أن الأمازيغ هم من فرضوا وارتضوا العربية لغة رسمية للبلاد قرونا من التاريخ،أحبوا فيها دينها وتفقهوا فيه بلفظها ورفضوا الظهير البربري وتشبثوا بوحدتها وتوحيدها وأبدعوا وأمتعوا حتى أنهم كتبوا لغتهم بحرفها،عكس ما يحدث اليوم؟؟،والثانية أن الفرنسية لغة استعمارية مفرقة،غير دستورية و متخلفة حتى في عقر دارها،استعمالها العالمي محدود وأضعف من استعمال العربية ست مرات،وهي غير مسعفة لا في التواصل العالمي ولا في البحث العلمي ولا حتى في الاقتصاد،حيث تتفوق عليها لغات حية أخرى كالأنجليزية والصينية وحتى الهندية،فلماذا بمجرد سابقة تاريخية استعمارية مشؤومة وتبعية سياسية طاغية،لا زالت تفرض على بني قومنا أكثر مما تفرض على بني قومها؟؟.

أما اللغة العربية فهي دستورية ورسمية وأوسع انتشارا تحتل الرتبة الرابعة عالميا من حيث قوة الاستعمال العالمي،ويكفيها منتوجا وعراقة أنها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والذكر والدعاء،لغة الدين العالمي الواسع الذي يتعبد به أزيد من مليار مسلم،قال تعالى:”إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون”يوسف/02،وقال:”وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ َأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ،قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ”فصلت/44.غير أن حب اللغة والتشوق إلى إحيائها والمحافظة عليها لا يتم بمجرد حبها وفخر الانتماء إلى حضارتها والتشرف بالحديث بلسانها..،بل لابد من فعل لغوي واقعي رسمي مؤسساتي وفعل مدني ميداني واسع يكونان هما الوعاء الذي يعمل على حفظ المكانة اللائقة للغة الأمة كما ينص على ذلك دستورها في فصله الخامس:”وتظل العربية هي اللغة الرسمية للدولة..وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها”؟؟،

وفي الختام،أنا في الحقيقة بقدر ما أحب العربية رصيدا لغويا وثقافيا تنبني عليه كل الإضافات اللغوية والثقافية الأخرى،لا أميل إلى إقصاء أي لغة أو حتى لهجة أو تهميشها،بقدر ما أحب النجاعة والفعالية في اكتسابها واستعمالها،والحسم في الاختيارات السياسية والجهود العلمية والتربوية المؤسسة لذلك دون التفاف ولا معارك هامشية،كما ينبغي إعادة النظر في برامجها و طرق ومراحل تدريسها حتى تكون ناجحة وناجعة،فقد أمرنا أن نتعلم لغة القوم وكل لسان فينا كما يقال إنسان؟؟،وعليه نقترح تأسيس نادي اللغات ضمن أندية الجمعيات و المؤسسات والمعاهد والأكاديميات،أندية تكون مهمتها الاهتمام بتقوية الجانب اللغوي عند النشء،تهتم باللغة العربية وخطها وأدبها وعلمها وحضارتها في صفوف أبناء المرحلة الابتدائية،واللغات الحية الأخرى انطلاقا من المرحلة الإعدادية فما فوق،أندية من هدفها الأكبر فك عقدة الألسن وتخريج رجال موسوعيين ومتخصصين حيويين وأكفاء،كالرجال الكتب(les hommes livres) والأدباء المبدعين والخطباء البارعين والتقنيين المتواصلين والمطورين المجددين،يتجاوزون هذه الهدرمة والركاكة اللغوية والخلط المجاني بين التعابير واللهجات الذي لا ينم إلا عن الفقر والضحالة اللغوية والمعرفية والعلمية والمهارية والحضارية؟؟.

كما يمكن أن تكون لهذه الأندية العديد من الأنشطة اللغوية الممتعة والهادفة تستمتع وتستفيد منها طفولتنا وشبابنا هنا وهناك ومن بينها:”محترفات لتعليم اللغات وممارستها..ورشات للكتابة حسب المراحل العمرية و التأليف والنشر والتوزيع..صناعات ثقافية وفنية تثمن الأدب والتراث المادي واللامادي..أندية الأنشطة العلمية والمعلوماتية والإلكترونية ومختلف التربيات المعاصرة الفكرية و الحقوقية والصحية والطرقية والبيئية..أندية الأنشطة الموازية كالمسرح والغناء والتشكيل والإنشاد..الرحلات والأمسيات والدوريات والمسابقات والمقابلات والاستضافات..أندية التعبير والإنشاء والقصص والحكايات والروايات والصحف والمجلات والأفلام..أندية المكتبات القديمة والحديثة وتشجيع القراءة والمناقشة والمناظرة..المواقع والمدونات..الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي..أندية حفظ القرآن والحديث النبوي وعلومهما وهما من أهم مصادر اللغة..تنمية المواهب والقدرات والكفاءات عبر العديد من الأنشطة اللغوية المناسبة كالدورات التدريبية والتكوينات الشبابية والمقامات اللغوية والمعتكفات العلمية والمخيمات الصيفية..وما يمكن أن تتضمنه من مسابقات المسلم الصغير..والعالم الصغير..والصحفي الصغير..والمبدع الصغير..والمتحدث البارع..؟؟.

المصدر - الحبيب عكي
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر: يسمح بالتعليق لأي شخص كان والتعبير عن رأيه ولكن بجدية وليس بصورة الكتابة فقط عدم التطرق الى السب والشتائم في التعليقات لأنها ستحذف فورياً عدم نشر أسماء والتشهير بالناس بصورة سيئة سيتم حذف التعليق فورا في هذه الحالة أي تعليق سيء للعنصرية أو عن المثليين أو ما شبابههم سيحذف فوريا
ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء و المقالات المنشورة في الجريدة لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة موقع تنغير أنفو الإخباري وهي تلزم بمضمون كاتبها حصرياً.